هو في الناس بشير ونذير
هو جندي وراع وأمير
محضر من تحته طرف الزمان
حينما يمسك منه بالعنان
فسر الدنيا بتفسير جديد
عبر الرؤيا بتعبير جديد
إلى أن يقول مخاطبا هذا الإنسان المرجو:
إيه يا فارس طرف الزمن
إيه يا نورا بعين الممكن
قم فسكن من ضجيج الأمم
واملأ الآذان حلو النغم
جددن في الناس قانون الإخاء
وأدرها كأس حب وصفاء
أرجعن في الأرض أيام الوئام
أبلغ الناس رسالات السلام
لبني الإنسان أنت الأمل
أنت من ركب الحياة المنزل
أذبلت كف الخريف الشجرا
فاغد في الروض ربيعا نضرا
ويمضي الشاعر فيقص قصة الرجل الذي شكا إلى الشيخ علي الهجويري
13
إحاطة الأعداء به، وخوفه بأسهم. فأجابه الشيخ مبينا فضل العدو عليه بما يثير قواه الكامنة، ونصحه بنفي الخوف من نفسه وإحكام همته وعزمه:
يوقظ الخصم قواك الهامدة
مثل ما تحيي الموات الراعدة
قوة العزم تذيب الحجرا
ما يبالي السيل صخرا إن جرى
تشحذ العزم عقاب السبل
14
امتحان العزم قطع المنزل
ما غناء العيش مثل النعم؟
ما حياة دون عزم محكم
وكذلك يقص إقبال قصة الطائر الظمآن الذي حاول التقاط ماسة فلم يستطع، ووجد قطرة ماء فالتقطها، يضرب الماسة مثلا للذات الناضجة المحكمة، والقطرة مثلا للذات النيئة الضعيفة.
ثم يقص قصة الماس والفحم مثلا للذات القوية والذات الضعيفة كذلك.
وينتقل إلى قصة أخرى فيها شكوى ناسك هندي إلى شيخ مسلم، أنه فكر في أقطار الأرض والسماء ولم يهتد إلى ما يطمئن إليه، ونصح الشيخ إياه بأن ينزل إلى الأرض مفكرا في نفسه وعيشه ويدع آفاق السماء. ويبين له الشيخ أن في التمسك بالسنن، ولو كانت سنن الكفار، قوة للأمة واجتماعا.
ثم يضرب مثلا محاورة بين جبل همالة ونهر جنجا، ويقول على لسان النهر للجبل: ما جدوى الوقار والرفعة وأنت محروم من السير. إنما الحياة سير متصل ووجود الموج في تحركه:
صاغك الله نجيا للسماء
وحمى رجلك سيرا في الفضاء
قيدت رجلك عن سير فما
هيئة فيك ورأس قد سما؟
إنما العيش مسير وصلا
وحياة الموج في أن ينتقلا
فأجابه الجبل:
إن هذا السير فيه الحين لك
من يزل عن نفسه يوما هلك
إنما العيش نمو في المكان
وبروض «الذات» قطف الأقحوان
أنت تفنى في خضم خضرم
وقلالي مسجد للأنجم
وبعيني ضاء سر الفلك
وبسمعي طيران الملك
صخر قلبي، وناري في الصخر
ليس للماء إلى ناري ممر
مقصد حياة المسلم إعلاء كلمة الله والجهاد للاستيلاء على الأرض حرام
لا تظهر الصلة بين هذا الفصل والفصول السابقة لطول الاستطراد وكثرة الأمثال. فليذكر القارئ أن هذا الاستطراد وذاك التمثيل عقب الكلام في النيابة الإلهية، وقد وصف الشاعر نائب الحق بأنه خليفة الله في الأرض، إلى أوصاف أخرى كثيرة. فلما بلغ الغاية من البيان والتصوير، رجع يبين أن هذا السلطان الذي يناله المسلم الحق ينبغي أن يكون لإعلاء الحق لا لفتح البلاد وقهر العباد.
يقول إقبال أول هذا الفصل:
إنما المسلم بالحب قهر
مسلم لا حب فيه قد كفر
غض للحق، وللحق نظر
وله في الحق نوم وسهر
في ربى التوحيد أرسى العمدا
وعلى الناس جميعا شهدا
وعليه يشهد الداعي الأمين
شاهد أصدق كل الشاهدين
إلى أن يقول: إن الحرب إن أردت بها صلاح الناس فهي خير، وإن رمت بها مالا أو جاها فهي شر.
خير الحرب إذا رمت الإله
شر الحرب إذا رمت سواه
فإذا لم يعل حقا سيفنا
اكتسى بالحرب عارا جندنا
ثم يقص قصة الشيخ ميانمير أحد كبار الصوفية، إذ زاره أحد سلاطين الهند. وكان السلطان مولعا بالحرب والفتح، وبينما السلطان يلتمس من الشيخ أن يدعو له بالنصر، تقدم أحد المريدين إلى الشيخ بدرهم قائلا: كسبت هذا بكدي، وألتمس من الشيخ أن يقبله مني. فقال الشيخ للمريد: أعط هذا الدرهم سلطاننا، فهو أفقر الفقراء، وأحرص الناس على الاستجداء. كم أخرب بلادا وقتل عبادا ليشبع. قد بطش جوعه بالخلق، وأهلك الحرث والنسل.