فإن لم يكن في الشاعر هذا الإدراك، ولم تشع في شعره الدعوة إلى الخير والجمال والتغني به وحفز الهمم إليه، ساء أثره في أمته، وحداها إلى الهلاك.
يلبس النفع ثياب الضرير
ويرى الموت جميل المنظر
شدوه فينا يزيد الكللا
كأسه فينا تزيد المللا
سيل برق ما حوى نيسانه
آل لون وشذى بستانه
12
حسنه بالصدق لا يعترف
بحره ما فيه إلا الصدف
نومت ألحانه يقظتنا
أطفأت أنفاسه وقدتنا
بلبل للقلب سم نغمه
ضغث ورد فيه يثوي أرقمه
ويمضي في بيان أثر هذا الشاعر في أمته، إلى أن يقول:
خسة في ذلة في شقوة
يائس مستسلم للخيبة
نوحه روحك منه في سقام
قد حمى أصحابه طيب المنام
ويل عشق قد ذكا في الحرم
ناره باخت ببيت الصنم
ولا شك أنه يعني بهذا شعراء اللهو والمجون، وشعراء اليأس والتشاؤم، وشعراء العزلة والخلوة، وشعراء الفناء والسكر من الصوفية، وهي الأبيات التي كتبها مكان أبيات ذكر فيها حافظا الشيرازي كما قدمت.
وينتهي في هذا الفصل إلى دعوته دعوة الحياة والقوة والأمل والعمل والهمة والإقدام، يقول:
صيرفي القول! إن تبغ النجاة
فاجعلن معياره شرع الحياة
نير الفكر يقود العملا
مثل رعد بعد برق جلجلا
بث فكرا صالحا في الأدب
ارجعن يا صاح نحو العرب
وسليمى العرب يا صاح اعشق
اطلعن صبح الحجاز المشرق
في ربيع الهند سرحت البصر
وبروض العجم جمعت الزهر
يمم البيد، اشربن من حرها
وعتيق الراح خذ من تمرها
أسلمن رأسك يوما صدرها
وائلفن في حرها صرصرها
كم وطئت الورد في طول المدى
غاسلا كالورد خدا بالندى
فعلى رمل الصحاري المضرم
أقدم النفس، وغص في زمزم
فإلام العش بين الظلل
وإلام النوح مثل البلبل؟
ابن عشا حيث لا تبني الأنوق
تختفي فيه رعود وبروق
لترى أهلا لإعصار الحياة
وتذيب النفس في نار الحياة
مراحل تربية الذات
لتربية الذات مراحل ثلاث: الطاعة، وضبط النفس، والنيابة الإلهية.
فأما الطاعة: فيضرب الشاعر فيها الجمل مثلا، يسير بأثقاله صابرا في غير ضوضاء. ويقول إن الطاعة تجعل في الجبر اختيارا. وإن الإنسان الحر يسخر هذا العالم ولكن يقيد نفسه بالشريعة.
بامتثال الأمر يعلو من سفل
وهوى الطاغي وإن كان الجبل
سخر الأفلاك في همته
وثوى في القيد من شرعته
قد سرى النجم يؤم المنزلا
طوع قانون له قد ذللا
وأما ضبط النفس: فيقول فيه إقبال مشبها النفس بالجمل أيضا:
جمل نفسك تربو بالعلف
في إباء وعناد وصلف
فكن الحر وقدها بزمام
من حضيض تبلغن أعلى مقام
ويقول: إن الذي لا يحكم في نفسه حري أن يحكم عليه غيره.
ويرى أن ضبط النفس لا يكون إلى بنفي الخوف والشهوات.
وأن التوحيد المطلق ينفي عن النفس الاستكانة للمخاوف والمطامع.
من يمسك بعصا من «لا إله»
طلسم الخوف تحطمه يداه
كل من بالحق أحيا نفسه
ليس للباطل يحني رأسه
وأما المرحلة الثالثة من مراحل تربية الذات، وهي النيابة الإلهية، فهي مرحلة يكون الإنسان فيها مسيطرا على العالم، مسخرا قوى الكون، نافخا الحياة في كل شيء، مجددا شباب كل هرم، يهب الحياة بإعجاز العمل، ويجدد مقاييس الأعمال، ويرد العالم إلى الإخاء والسلام.
هذا الإنسان الذي يذكر القارئ بالإنسان الأعلى في تعليم نطشه الفيلسوف الألماني، وبالإنسان الكامل الذي تحدث عنه بعض الصوفية كعبد الكريم الجيلي، ذكره إقبال في مواضع كثيرة من شعره بوصف الرجل المؤمن «مرد مؤمن» وهو في العالم أمل وعمل، وإصلاح وعمران وسلام ووئام، لا تعجزه عقبة ولا تبعد عليه شقة.
وإن الفطرة لتكد فكرها، حتى تنظم مثل هذا الإنسان في الحين بعد الحين.
يقول إقبال في هذا الفصل:
فطرة علياء تبغي مظهرا
تبتغي في الكون خلقا آخرا
تنجلي من فكرة مثل الزهر
غير هذا الكون أكوان أخر
تنضج الفكرة فينا بالضرم
يخرج الأصنام من بيت الحرم
رن عود القلب من مضرابه
يقظ بالحق نومان به
باعث في الشيب ألحان الشباب
ناشر في الكون ألوان الشباب