نفي الذات من اختراع الأمم المغلوبة
يتحدث إقبال في هذا الفصل عن الأقوام المغلوبة كيف خدعت الأقوام الغالبة عن نفسها وزينت لها نفي الذات.
ويضرب مثلا قطيعا من الغنم تسلطت عليه الأسود، تصول عليها وتنال منها ما شاءت كلما شاءت.
ففكر كبش في أمر جماعة، فبدا له أن يضعف في الأسود نزعة التغلب، والصولة، ويصرفها عن الاعتداد بالقوة؛ فادعى أنه نبي مرسل إلى الأسود. ودعاها إلى الزهد والاستكانة وإنكار الذات. ونهاها عن أكل اللحم، وعلمها أن الجنة للضعفاء، وأن القوة خسران مبين، وقال: «يا ذابح الشاة، اذبح نفسك ، واغفل عنها إن تكن عاقلا.
أطبق عينيك وأذنيك وشفتيك ليصعد فكرك فوق الفلك.
9
إن هذه الدنيا مرعى العدم، فإياك أن تركن إلى هذا الوهم.»
ويصور الشاعر أثر هذه الدعوة في الأسود بهذه الأبيات:
كانت الأسد جهادا ملت
وتمنت منه عيش الدعة
عن هوى أصغت إلى النصح المنيم
ودهاها الكبش بالسحر العظيم
جوهر الآساد أضحى خزفا
حين أضحى قوتهن العلفا
ذهب العشب بناب عسر
أطفأ الأعين ذات الشرر
هجر الصدر فؤاد مقدم
فإذا المرآة فيها تظلم
وذوى في القلب شوق العمل
وجنون السعي ملء الأمل
ذهب الإقدام والعزم الأمر
والسنا والعز والمجد الأغر
برثن الفولاذ فيها قد وهن
واستكان القلب في قبر البدن
ونما الخوف بنقص المنة
قطع الخوف جذور النخوة
كل داء في سقوط الهمة
إنه العجز وضعف الفطرة
نامت الأسد بسحر الغنم
سمت العجز ارتقاء الفهم
مذهب أفلاطون وأثره في الآداب الإسلامية
ينكر إقبال - في كثير من أقواله - على أفلاطون مذهبه في عالم المادة وعالم المثال، ويبين سوء أثره في الحياة، ويقول إنه يدعو الناس أن يهجروا عالم الحس إلى عالم الخيال، وأن يفروا من هذه الحياة.
ويرى إقبال أن عالم المادة كائن لا ريب فيه، وأن على الإنسان أن يقهره ويسخره، ويجوزه إلى مقاصده، وأن في العمل لتسخير هذا العالم قوة النفس الإنسانية وارتقاءها.
يبدأ إقبال هذا الفصل من أسرار خودي بقوله:
راهب الماضين أفلاط الحكيم «مذهب الشاء» تولى في القديم
10
طرفه في ظلمة المعقول ضل
في حزون الكون قد أعيا وكل
فكره في «غير محسوس» فتن
صد عن كف وعين وأذن
11
قال: في الموت بدا سر الحياة
وخمود الشمع يعلي سناه
ويقول في هذا الفصل أيضا:
عالم الإمكان للحي وطن
عالم «الأعيان» للميت سكن
مشفق راهبنا لا يقدم
في وغى العالم نكس محجم
قلبه يعشو لنار خامده
صورت يمناه دنيا هاجده
ولا يتسع المجال هنا للقول في مذهب أفلاطون وتطوره إلى مذهب أفلوطين من بعد، وأثر هذا في المسيحية وفي بعض مذاهب الصوفية.
وحسبنا أن نقول: إن إقبالا يدعو إلى إدراك الذات وتقويتها، وإلى العمل الدائب، والجهاد الذي لا يفتر. ويرى أن الحياة في العمل والجهاد، والموت في الاستكانة والسكون. ويرى أن عالم المادة كائن لا خيال، وأن عمل الإنسان تسخير هذا العالم، وفي الجهاد لتسخيره قوته وكماله.
وهذا مذهب يخالف مذهب أفلاطون والمذاهب التي تفرعت منه في جملتها وتفصيلها، ومذاهب فلاسفة الهند، ويخالف التصوف غير الإسلامي أو التصوف العجمي كما يقول إقبال.
حقيقة الشعر وإصلاح الآداب الإسلامية
بينت آنفا أن إقبالا كتب أبياتا عن حافظ الشيرازي يذم مذهبه ويحذر الناس منه، وأنه حذف هذه الأبيات بعد الطبعة الأولى، وأثبت مكانها أبياتا في إصلاح الآداب الإسلامية.
استهل الشاعر هذا الفصل ببيان الأمل وأثره في الحياة، صور هذا تصويرا بليغا جميلا، كدأبه حين يتحدث عن الأمل في شعره.
ثم قال إننا نأمل ما هو حسن وجميل بل الحسن يخلق الأمل:
كل خير وحسين جميل
هو في صحرائنا خير دليل
يطبع القلب على أشكاله
خالقا في القلب من آماله
يخلق الحسن ربيع الأمل
وجهه يبدي بديع الأمل
ثم يقول إن الشاعر يدرك الجمال ويجلوه للناس، ويزيد الجميل جمالا، ويزيد الفطرة بهجة، ويدعو الأمة إلى الجميل ويحدوها إليه.