ما هذا النفس الحي؟ سيف. ما مسن هذا السيف؟ الذاتية. ما الذاتية؟ سر الحياة الباطن. ما الذاتية؟ يقظة الكائنات. إنها ثملة بالجلوة، ومغرمة بالخلوة، إنها بحر في قطرة ... إنها ظاهرة فيك وفي، وهي بريئة مني ومنك - يعني ليست مقيدة بكون محدود. ماضيها الأزل، وآتيها الأبد. ليس لها ماض ولا آت يحد ...
تغير وسائل التحري، وتبدل منظرها بين حين وحين، والصخرة الثقيلة خفيفة في يدها، والجبال رمال من ضربها، والسفر مبدؤها ومنتهاها، وهو السر من تقويمها. هي ضياء في القمر، وهي شرار في الحجر ... وهي في هذا الكفاح منذ الأزل. وقد صورت كذلك في صورة الإنسان.
إن مستقر الذاتية قلبك، كما يحوي الفلك إنسان العين. وسم هذه الذاتية العيش الذليل، والعزة ماؤها السلسبيل.
أردت أن أعرض على القارئ صورا للذاتية في شعر إقبال ليتأمل فيها. وما أردت أن أحجبه عن الشاعر بكلامي وبياني.
المقاصد والآمال
ويقول في الفصل الثاني:
إن هذه الذاتية تحيا بخلق المقاصد والجد في المسير إليها، وعلى قدر عظم مقاصدها تعظم، وعلى قدر المشقة التي تحتملها تقوى.
والأمل في شعر إقبال كله هو الحياة، والجهاد الدائب هو حافظ هذه الحياة. وإن قارئ إقبال ليروعه إعظام إقبال الأمل، وتصويره إياه وإشادته بالعمل الدائب والجهد المستمر، بل يرى إقبال أن الجهاد في سبيل المقصد أعظم لذة في بلوغه:
طوبى لمن لا يزال في أثر المحمل. أي لذة في الاضطراب دون وصول.
6
ويقول في هذا الفصل من «أسرار خودي»:
إنما يبقي الحياة المقصد
جرس في ركبها ما نقصد
7
أصلها في أمل مستتر
سرها في السعي منها يضمر
أحي في قلبك هذا الأملا
أو يحل طينك تربا مهملا
فحياة القلب من نار الرجاء
ما سوى الحق لدى القلب هباء
فإذا عي بتخليق المنى
هيض سقطا وعن الطيرونى
ويميت الحي فقدان الرجاء
يطفئ الشعلة فقدان الغذاء
بل يرى أن العقل نشأ من الأمل:
رأس مال في الحياة الأمل
وكذاك العقل منه ينسل
كل فكر وخيال واعتبار
كل حس وشعور وادكار
هي آلات الحياة الجاهدة
حين تمضي في وغاها صامدة
المحبة والعشق
العشق، عشق الأمل وعشق المثل الأعلى، يشعل الذاتية ويظهر ما فيها من قوى. ومثل المسلم للعاشق هو الرسول صلوات الله عليه.
وإذا استحكم العشق لم يحل بين الإنسان وأمله عقبة ولا مشقة، ولم تأخذه فيه رغبة ولا رهبة وسخر الإنسان قوى العالم.
زائد بالحب في الذات رواء
وحياة واشتعال وبقاء
مشعل بالحب منها الجوهر
يتجلى من قواها المضمر
لا يهاب العشق في السيف المضاء
ليس من ماء وترب وهواء
هو في العالم حرب وسلام
وهو ماء لحياة وحسام
ولا يتسع المجال هنا لتفصيل القول في العشق، عند الصوفية وعند إقبال. وفي الموازنة بين العشق والعقل وبين الفكر والذكر.
وقد صور إقبال هذا صورا كثيرة، ولم يمل من ذكره وتكراره. ويجده القارئ في هذه المنظومة «أسرار خودي» وغيرها، فليرجع إلى ترجمة هذه المنظومة، وليرجع إلى ديوانيه رسالة المشرق وضرب الكليم ومقدمتيهما.
ولا تخلو فصول الكتاب الآتية من حديث في هذا الشأن.
الذات تضعف بالسؤال
الثقة بالنفس، والاعتداد بها، والاعتماد عليها، والاستغناء بها، يقوي الذات. والشك فيها، والالتجاء بها إلى الناس، وحملها عليهم، يضعفها.
يبدأ إقبال هذا الفصل بقوله يخاطب المسلم:
أيها الجابي من الليث الخراج
صرت كالثعلب خبا باحتياج
ذلك الإعواز أصل العلل
كل أدوائك من ذا المعضل
من كنوز الدهر أخرج ما تريد
وخذ الصهباء من دن الوجود
8
ويضرب مثلا عمر - رضي الله عنه - إذ سقطت درته من يده وهو راكب فنزل ليأخذها، وأنف أن يسأل أحد الرجال أن يناوله درته.
ثم يقول: «لا تبغ رزقك من نعمة غيرك، ولا تستجد ماء ولو من عين الشمس. واستعن بالله وجاهد الأيام، ولا ترق ماء وجه الملة البيضاء.
طوبى لمن يحتمل الضر من الحرور والظمأ، ولا يسأل الخضر كأسا من ماء الحياة.»