ما بهذا السوق يشرى يوسفي
2
أنا في يأس من الصحب القديم
مشعل طوري ليغشاه كليم
بحر صحبي قطرة لا تزخر
قطرتي كاليم فيها صرصر
من وجود غير هذا لي غناء
ولركب غير هذا لي حداء
كم تجلى شاعر بعد الحمام
يوقظ الأعين حينا وينام
وجهه من ظلمة الموت سفر
ونما من قبره مثل الزهر
كم بهذا السهب مرت قافلة
كخفاف النوق رهوا سابلة
غير أني عاشق، ديني النواح
ثورة المحشر مني في الصياح
أنا لحن كل عني الوتر
لا أبالي أن عودي يكسر
أبعد القطرة عن سيل طمى
وليجن البحر منه خضرما
لا تعي موجي هذي الأنهر
لا يعي موجي إلا أبحر
ليصدقني القارئ لقد أردت أن أثبت هنا أبياتا قليلة تنطق باعتداد إقبال بنفسه وشعوره برسالته، فلم أدر ماذا آخذ وماذا أدع، فكتبت هذه الأبيات كلها.
ولست في حاجة إلى أن أفسر للقارئ هذه الأبيات لأدله على شعور إقبال بأنه أدرك أسرار الحياة، وبصر بما في ضمير الغيب، وأنه رسالة الغد الآمل إلى اليوم اليائس، والمستقبل العزيز إلى الحاضر الذليل.
جلال الدين الرومي
يقول إقبال في مقدمة هذه المنظومة: إن جلال الدين الرومي هو الذي أيقظه ونبهه، ودعاه إلى أن يسلك هذه السبيل ويقصد هذا القصد، ويشيع في الناس بيانه ويبلغهم رسالته. وهو يعترف لجلال الدين بالإمامة في مواضع كثيرة من كتبه. ولما نظم منظومته الخالدة جاويد نامه وقص فيها سفره في الأفلاك السبعة، جعل جلال الدين دليله في هذا السفر.
يقول في مقدمة أسرار خودي:
صير الرومي طيني جوهرا
من غباري شاد كونا آخرا
ذرة تصعد من صحرائها
لتنال الشمس في عليائها
إنني في لجه موج سرى
لأصيب الدر فيه نيرا
ويقول بعد إنه بات شاكيا نائحا، فأخذه النصب والنوم، فلاح له جلال الدين:
قال يا مجنون بين العاشقين
من حميا العشق فاجرع كل حين
شق في العين حجاب البصر
وأثر في القلب هول المحشر
واجعلن الضحك ينبوع البكاء
واملأ القلب دموعا من دماء
أنت كالكم صموت أبكم
انشرن كالورد، ريحا يفغم
صعدن من كل عضو كالجرس
نوحك الصامت في كل نفس
أنت نار فأضئ للعالمين
بلهيب منك أذك الآخرين
إلى أن يقول:
جرس الركب! تنبه لا تنم
واعرف اللذة في نظم النغم
وبهذا البيت ينتهي كلام جلال الدين كما حكاه إقبال. ويقول الشاعر بعده مبينا أثر هذا الكلام في نفسه:
صرت نارا في ثيابي تسعر
صرت كالناي هياجا أضمر
ثرت من أوتار نفسي نغما
صغت من حسن بياني أرما
فرفعت الستر عن سر خودي
مظهر الإعجاز من أمر خودي
رأى القارئ من مقدمة أسرار خودي المنثورة ومن جدال إقبال ومخالفيه، أنه خالف الصوفية في وحدة الوجود وإنكار الذات، وسمى التصوف المتضمن هاتين العقيدتين تصوفا غير إسلامي. ويراه هنا يعترف بإمامة الرومي، ويقر له بالفضل بما أوحي إليه هذه الطريقة. وقد كرر هذا في مواضع من دواوينه الأخرى.
ولا يتسع المجال هنا لبيان ما بين جلال الدين وإقبال من التشابه، وأسباب إعجاب إقبال بجلال الدين وإكباره إياه. ولعلي أبين هذا بعد الفراغ من بيان فلسفة إقبال.
إقبال والإسلام
ويقول في المقدمة بعد حديث جلال الدين الرومي:
كان كوني هيكلا لم يكمل
كان عطلا سقطا لم يقبل
مبرد العشق براني رجلا
كيف هذا الكون والكم جلا
فرأيت النبض في جسم ذكاء
وبعرق البدر تسيار الدماء
3
فاض للإنسان دمعي في الظلم
فشققت السر عن عيش الأمم
فبدا لي سر تقويم الحياة
وشببت النفس في نار الحياة
في هذه الأبيات يذكر أنه بكى على الإنسان وأطال التفكير في أمره حتى اهتدى إلى سر الحياة. وفلسفة إقبال في عمومها إنسانية، ومذهب الذاتية لا يخص واحدا ولا جماعة ولا أمة.
ويقول إقبال بعد هذه الأبيات:
أنا من في ظلمة الليل أنار
في طريق الملة البيضا غبار
أمة دوت بآفاق الورى
لحنها في القلب نارا قد سرى
ذرة ألقت وشمسا حصدت
ألف رومي وعطار جنت
4
وهنا يذكر الأمة الإسلامية ويقول إنه غبار أقدامها. وحب إقبال الإسلام، وإعجابه بتاريخ المسلمين، ورؤيته في العرب الأولين المثل الأعلى في نضج «الذاتية»؛ تلقى قارئ شعره حيثما قلب صفحات دواوينه، وهذه الأمة خصها إقبال بتطبيق فلسفته، فهي فلسفة إنسانية تجد موضوعها ومثلها وغايتها في أمة الإسلام.