هذا طرف مما أجاب به إقبال اعتراض المعترضين. ومن هؤلاء من قنعوا بقراءة مقدمة المنظومة أو الأبيات التي تضمنتها في نقد حافظ. ولم يقرءوا المنظومة كلها فيتدبروا دعوة إقبال، أو قرءوها ولم يرتقوا إلى الجدال فيها. •••
وآخرون من زعماء المسلمين في الهند تلقوا دعوة إقبال بالإكبار والإعجاب وقدروا حاجة المسلمين إليها، وأثرها في أنفسهم. فأشادوا بفلسفة إقبال، وأثنوا عليه بما يستحق.
ومن هؤلاء الزعيم مولانا محمد علي. قال بعد أن نشر إقبال أسرار خودي ورموز بي خودي: إن شعر إقبال يحدو المسلمين في هذا العصر إلى النشأة الثانية.
شرعت أنا وأخي شوكت علي في قراءة أسرار خودي، فرأينا ضربا من الشعر يفوق ما قال من قبل. وحق أنه بدا لنا أول الأمر فاترا بجانب شعره الأردي الذي يرمي شعر يبعث الحياة في الجماد ...
لقد رأيت أنه في هذا الإبداع جلا حقائق إسلامية لم أدركها إلا بعد مشقة وعناء ...
إن الحياة في نظر إقبال صحراء جرداء. وإدراك المرء «ذاته» هو إدراك مقاصد الحياة ... لقد بين إقبال رسالة الإسلام وسنته الأخلاقية، وأنحى على نظرية القومية والوطنية عند الغربيين التي تحد تعاون الناس، وترمي الأمم في الفرقة والاختلاف.
وكتب مولانا أسلم جيراجبوري سنة 1919:
ما زال بعض الناس يعترضون على إقبال منذ نشر كتابه أسرار خودي؛ إذ جعل أفلاطون اليوناني وحافظا الشيرازي في فصيلة الغنم. وليس حافظ الشيرازي عندهم شاعرا عظيما فحسب، بل هو ولي مقدس. ولو لم يكتب إقبال عن حافظ ما كتب لكان خيرا له؛ لأنه عرض نفسه لطعن الطاعنين، ولأن المسألة الأصلية التي تنفع الأمة حجبت في غبار هذا الجدال. كما فعل بيرزاده مظفر أحمد إذ نظم «راز بيخودي» ليرد على إقبال ما قال عن أفلاطون وحافظ، وأغفل الموضوع الأصلي.
الفصل الثاني
| خلاصة أسرار خودي
أجمل ما في هذا الفصل خلاصة آراء إقبال كما بينها في هذه المنظومة وأكتفي بزهرات من هذه الرياض، وقطرات من هذه الحياض.
أعرض على القارئ ما يعرف بفلسفة إقبال وشعره معا، شعره الذي يصور به الفلسفة، ويعرض مباحثها في معرض لم تألفه، ولم يعهده الناس. ولا يروض الفلسفة للشعر، ويطوع الشعر للفلسفة إلا إقبال وأمثاله، «وقليل ما هم.» (1) المقدمة
كان إقبال يشعر بأنه أتى العالم بمذهب جديد، ورأي بدع، إن لم يكن اخترعه اختراعا، فقد اخترع طرائقه وصوره وجمع أجزاءه وألف أشتاته، وأدرك صلة هذا المذهب بالإنسان، حياته ومماته، وآحاده وجماعاته، وبين صلته بالإسلام خاصة، فأتى بالعجب، واستولى على الأمد.
ومن أجل هذا يعرب عن ثقته بنفسه، وتأثير كلامه، ويذكر طلوعه على العالم شمسا جديدة، لا تعرف رسومه، ولا تألفها سماؤه وأرضه، ويتحدث عن نفاذ بصره إلى مكنون الحياة، وامتداد عينه إلى أسرار المستقبل، يقول في مطلع المنظومة:
قطع الصبح على الليل السفر
فهمى دمعي على خد الزهر
غسل الدمع سبات النرجس
وصحا العشب بمسرى نفسي
جرب الغارس قولي موقدا
مصرعا ألقى وسيفا حصدا
إنه حب دموعي زرعا
نسج الروض وأناتي معا
ذرة، قد حازت الشمس يدي
كم صباح في فؤادي مرصد
طينتي من جام جم أنور
1
من جنين الكون عندي خبر
صيد أفكاري ظباء لم ترم
لم تسيب بعد من قيد العدم
زان بستاني عشب ما ظهر
وجنيت الورد في جوف الشجر
محفل الشادين مني يرجف
في وتار الكون كفي تعزف
صامت في رباب الفطرة
ما وعى عني جليسي نغمتي
إنني شمس قريب المولد
حبكا في فلك لم أعهد
لم يرع ضوئي سرب الزهر
لم يرجرج زئبقي في البصر
ما رأت رقص ضيائي الأبحر
ما كسا الأطواد ثوبي الأحمر
ما لهذا الكون عيني تعهد
أنا من خوف طلوعي أرعد
مزق الظلمة فجري فظهر
فبدا طل جديد في الزهر
إنني أرقب صبحا معلما
حبذا من حول ناري زمزما •••
أنا لحن دون ضرب صعدا
أنا صوت شاعري يأتي غدا
كل سر دون عصري يختفي