إن الرهبانية ظهرت في كل أمة، وعملت لإبطال الشريعة والقانون. والإسلام في حقيقته هو دعوة إلى استنكار هذه الرهبانية. والتصوف الذي ظهر بين المسلمين - أعني التصوف الإيراني - أخذ من رهبانية كل أمة وجهد أن يجذب إليه كل نحلة، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الأحكام الشرعية لم تعدم نصيرا من الصوفية.
إن اعتراضك، حتى اليوم، لم يعد مقدمة أسرار خودي. فلم يتناول المنظومة نفسها، وكيف أعمل قلمي، ولست أدري ما اعتراضك عليها؟ كيف أعمل قلمي في هذا الصدر؟ إنما اعترضت على ما حسبته غضا من قدر حافظ الشيرازي. ولن يستبين الحق في هذا الأمر حتى يوفى البحث حقه ...
إن حالة السكر - في اصطلاح الصوفية - تنافر الإسلام وقوانين الحياة، وحالة الصحو، وهي الإسلام، موافقة قوانين الحياة. وإنما قصد الرسول
صلى الله عليه وسلم
إلى إنشاء أمة صاحية - في حالة الصحو؛ ولهذا تجد صحابة رسول الله الصديق الأكبر والفاروق الأعظم ولا تجد حافظا الشيرازي.
هذا بحث طويل تضيق عنه هذه الرسالة القصيرة. وسأفصل هذا إن شاء الله حين تتاح الفرصة. ولكن ذكر ابن عربي يذكرني بمسألة أبينها هنا حتى لا يبقى في فكرك لبس.
لا أنكر عظمة الشيخ وفضله، بل أعده من كبار فلاسفة المسلمين. ولا أرتاب في إسلامه، فإنه يحتج على عقائده، كقدم الأرواح ووحدة الوجود، بالقرآن على حسن نية. فآراؤه على صوابها أو غلطها قائمة على تأويل القرآن. وأما أن تأويله غلط أو صواب عقلا ونقلا فمسألة أخرى. وعندي أن تأويله غير صحيح. فأنا أعده مسلما مخلصا ولا أتبعه في مذهبه.
وأصل المسألة أن الصوفية أخطئوا خطأ كبيرا في فهم التوحيد ووحدة الوجود. ليس هذان الاصطلاحان مترادفين كما توهموا؛ فالأول مفهوم ديني، والثاني فلسفي محض. ليس التوحيد ضد الكثرة كما يظن بعض الصوفية، بل هو ضد الشرك. وأما وحدة الوجود فهي ضد الكثرة. وكانت نتيجة هذا الغلط أن عد من الموحدين طائفة ذهبوا إلى وحدة الوجود - أو التوحيد في اصطلاح فلسفة أوروبا الحاضرة - على حين أن المسألة التي ذهبوا إليها لا تتعلق بالدين بل بحقيقة نظام العالم.
إن تعليم الإسلام واضح بين؛ هو أن ذاتا واحدة تستحق العبادة، وأن كل الكثرة التي ترى في العالم مخلوقة ...
ليست عقيدة وحدة الوجود من تعليم القرآن. فإن القرآن يبين المغايرة التامة بين الخالق والمخلوق أو العابد والمعبود.
ويقول في رسالة أخرى إلى سراج الدين بال مؤرخة في 10 تموز سنة 1916:
الحق أن التماس معان باطنية في قانون أمة هو مسخ لهذا القانون كما يعلم من سيرة القرامطة. ولا يختار هذه الطريقة إلا أمة في فطرتها الخنوع والمذلة. وفي شعراء العجم جماعة في طباعهم الميل إلى الإباحة. وهذا الميل في إيران من قبل الإسلام. وقد صد الإسلام حينا هذا الميل الطبعي، ثم عاد فظهر حينما وجد فرصة. فوضع للمسلمين أساس أدب يقوم على وحدة الوجود. وقد افتن هؤلاء الشعراء في إبطال شعائر الإسلام بأساليب عجيبة خداعة. وأبانوا عن وجه مذموم في كل أمر ممدوح في الإسلام. وأضرب الجهاد مثلا. فقد التمس شعراء العجم معنى آخر في هذه الشعيرة التي يراها الإسلام من ضروريات الحياة. انظر في هذه الرباعية:
يسلك الغازي كل سبيل من أجل الشهادة، ولا يدري أن شهيد العشق أفضل منه. كيف يستوي هذا وذاك يوم القيامة. هذا قتيل العدو وذاك قتيل الحبيب!
وهذا جميل في الشعر ولكنه خدعة لإبطال الجهاد.
وإذا نظرت إلى حافظ وكل شعراء إيران من هذه الوجهة، بانت لك عجائب وغرائب.
وفي رسالة أخرى إلى سراج الدين نفسه يقول إقبال:
كل شعر التصوف ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي. وكل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد غارات التتار، تتبدل أنظارها
11
ويجمل الضعف في أعينها، وتركن إلى ترك الدنيا. وفي هذا الترك تخفي الأمم ضعفها وهزيمتها في تنازع البقاء. انظر إلى مسلمي الهند، فقد انتهى الأدب عندهم إلى فن الرثاء في لكهنئو.