فمعنى سلطان الله في الأرض أن تقوم فيها جماعة شورية يتوحد أفرادها، ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن أن يسمى نائب الحق أو الإنسان الكامل، وهذا الإنسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التي لا تتصور فوقها ذروة.
وقد رأى نطشه - الفيلسوف الألماني المعروف - ضرورة ظهور هذه الأمة المثالية ولكن دهريته وإعجابه بالسلطان مسخا فلسفته كلها. (3) كيف تلقى الناس منظومة أسرار خودي؟
قال بعض الناس لإقبال: أحسنت وأبدعت، عرفت الداء ووصفت الدواء. وقال آخرون: حدت عن الطريق، ولم يصحبك التوفيق، وأنكرت التصوف، وازدريت أئمة الصوفية.
وكثرت المقالات في القبول والرد، والمدح والثناء. وأقصد هنا إلى تبيين ما كان لأسرار خودي من أثر في نفوس الناس، لماذا قبلها واستحسنها وأعجب بها وأشاد بناظمها من قبل واستحسن وأعجب وأشاد. ولماذا نفر منها من نفر واستنكرها من استنكر، ولعل في بيان هذا وذاك بيانا للجديد في هذه المنظومة، والبدع فيما حوته من آراء؛ تلقى بعض الصوفية دعوة إقبال في أسرار خودي بالاستنكار والرد، إذ وجدوها دعوة إلى «خودي»، وهي كلمة تدل في لغتها الفارسية على الأثرة والعجب والأنوية وما يتصل بها. وتستعمل كذلك في الأردية، فهي دعوة في الأخلاق منكرة، وفي التصوف أشد نكرا. وقد نقل إقبال «خودي» إلى معنى آخر جعله أصل فلسفة له. فأراد بها الذاتية، وقال في فلسفته: إن العالم قائم بهذه الذاتية، وإن الإنسان بهذه الذاتية يقوم على قدر قوتها وضعفها، بل يخلد أو يفنى باستحكامها أو اضمحلالها، وإن مقصد الإنسان في هذه الحياة معرفة ذاته وتقويتها وتنمية مواهبها واستنباط ما في فطرتها. وليس من الخير في شيء إنكار الذات أو إضعافها، بل هو الشر كل الشر. ولا ينبغي العمل لفنائها ولا الرضا به كما يفعل الهنادك وصوفية العجم - كما يقول إقبال - بل لا تفنى الذاتية في الله تعالى وليس من الخير السعي إلى إفنائها فيه:
أحكم نفسك في حضرته ولا تفن في بحر نوره.
ورأى الصوفية في هذا أمرا نكرا؛ إذ كان التصوف في زعمهم يقصد إلى إذلال النفس وتذليلها وإماتتها حتى تؤهل للفناء في الله. بل ادعى بعض المجادلين أن إقبالا ينكر التصوف، ويدعو إلى محوه.
وزاد الصوفية ثورة على إقبال أنه عمد إلى إمام من أئمتهم، وشاعر من أعاظم شعرائهم، «لسان الغيب حافظ الشيرازي»، فحط من شأنه، وغض من طريقته، ونهى الناس عنه وحذرهم منه. كتب في مقدمة المنظومة أبياتا في حافظ خلاصتها:
احذر حافظا أسير الصهباء، فإن في كأسه سم الفناء، ليس في سوقه إلا المدامة، وقد شعث كأسان على رأسه العمامة. ذلكم فقيه ملة المدمنين، وإمام أمة المساكين. شاة علمت الغناء، والدلال والفتنة العمياء. هو أزكى من شاة اليونان، ونغمة عوده حجاب الأذهان. فر من كأسه فإن فيها لأهل الفطن خدرا كحشيش أصحاب الحسن.
10
وحذف إقبال هذه الأبيات بعد الطبعة الأولى ووضع مكانها فصلا عنوانه: «إصلاح الآداب الإسلامية»، بين فيه المعنى الذي قصد إليه حين حذر من طريقة حافظ وشعره ولم يذكر حافظا. فبلغ ما أراد، وكفى نفسه عداء المعجبين بحافظ المتعصبين له.
نبذ من رسائل إقبال إلى المعترضين
وأنقل نبذا من رسائل إقبال إلى المعترضين، ورده على مآخذهم وشبهاتهم. لعل القارئ يجد في هذه النبذ إيضاحا لآراء إقبال في التصوف، وتمييزه بين نوعين منه: التصوف الإسلامي والتصوف العجمي، والتفريق كذلك بين التوحيد ووحدة الوجود، ولعله يجد فيه تفسيرا لما غمض على الناظرين من فلسفته، وأجعل هذا تمهيدا للكلام في فلسفة إقبال عامة، وآرائه في «أسرار خودي» خاصة.
قال في رسالة السيد حسن نظامي مكتوبة في الثلاثين من كانون الأول سنة 1915:
إني بفطرتي وتربيتي أنزع إلى التصوف. وقد زادتني فلسفة أوروبا نزوعا إليه، فإن فلسفة أوروبا في جملتها تتوجه إلى وحدة الوجود، ولكن تدبر القرآن المجيد، ومطالعة تاريخ الإسلام بإمعان أشعراني بغلطي، ومن أجل القرآن عدلت عن أفكاري الأولى، وجاهدت ميلي الفطري، وحدت عن طريق آبائي.