تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعتراضي على أفلاطون هو في أصله اعتراض على كل النظم الفلسفية التي تقصد إلى الفناء لا البقاء، والتي تغفل المادة، وهي أكبر العقبات في سبيل الحياة، وتدعو إلى الفرار منها لا إلى تسخيرها والتسلط عليها.

وكما تعرض مسألة المادة في مبحث حرية الذات، تعرض مسألة الزمان في مبحث خلودها.

يقول برجسون: إن الزمان ليس خطا ممتدا إلى غير نهاية يحتم علينا المرور به. فهذا التصور للزمان غير صحيح، فالزمان الخالص لا يدخل فيه تصور الطول، أي لا نستطيع قياسه بمقياس الليل والنهار.

إن خلود الذات أمل، من أراد أن يظفر به فليجد ويدأب لبلوغه. والظفر به موقوف على أن نسلك طريقا للفكر والعمل في هذه الحياة يعيننا على حفظ حالة التوتر. ولا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين بوذا والتصوف العجمي، وما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى. لقد أضرت بنا هذه الطرق فأضرعتنا وأنامتنا. إن هذه المذاهب هي الليالي في أيام حياتنا.

وإن قصدنا بأفكارنا وأعمالنا إلى حفظ حالة التوتر في ذواتنا، فأغلب الظن أن صدمة الموت لا تستطيع أن تؤثر فيها. تعرض بعد الموت حال من الاسترخاء يسميها القرآن الحكيم البرزخ. وتدوم هذه الحال حتى الحشر. ولا تبقى بعد هذا الاسترخاء إلا النفوس التي أحكمت ذواتها أيام الحياة.

إن الحياة في ترقيها تنفر من التكرار كل النفور، ومع هذا يقول الأستاذ ولدن كار

9

بناء على القواعد التي وضعها برجسون: إن حشر الأجساد معقول أيضا.

إننا نقسم الزمان إلى لمحات، فندخل فيه مفهوم المكان، فيصعب علينا تسخيره. وإنما نستطيع إدراك معنى الزمان إدراكا صحيحا حينما ننظر في أعماق ذواتنا. إن الزمان الحقيقي هو اسم آخر للحياة، وإن الحياة تستطيع المحافظة على حالة التوتر التي حافظت عليها حتى الساعة. ولن نخلص من عبودية الزمان ما دمنا نعده أمرا مكانيا.

إنما الوقت المكاني قيد توسلت به الحياة إلى تسخير ما حولها. (2) تربية الذات

لا ريب أن الذات تستحكم بالعشق. ومفهوم العشق هنا واسع جدا، ومعناه إرادة الجذب والتسخير، وأعلى أشكاله أن يخلق مقاصده ويجد في نيلها، وخاصة العشق إفراد العاشق والمعشوق، أعني إظهار الانفراد والاستقلال فيهما، وإذا جد الطالب في طلب الأوحد الأسمى ظهر فيه التوحد، ويتحقق ضمنا توحد المطلوب؛ لأنه إن لم يكن واحدا مستقلا بنفسه لم يسكن الطالب إليه، إنما يمكن عشق شخص أو وجود معين، ولا يمكن لشخص عشق كائن غير مشخص.

وكما تستحكم الذات بالعشق تضعف بالسؤال. وكل ما ينال بغير جهد يعد سؤالا، فالذي يرث مال غيره سائل، والذي يتبع أفكار غيره أو يدعيها لنفسه سائل.

والخلاصة أنه ينبغي لأجل إحكام الذات أن نخلق في أنفسنا العشق ونجتنب كل ضروب الاستجداء؛ أي البطالة.

إن حياة الرسول

صلى الله عليه وسلم

أسوة حسنة للمسلم، فقد كانت حياته خير مثل للسعي الدائم. لقد كانت حياته كلها صورة للعمل.

أشرت في فصول من هذا المثنوي إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية. وبينت أن لكمال الذات ثلاث مراحل: (1)

إطاعة القانون الإلهي. (2)

وضبط النفس. (3)

والنيابة الإلهية.

والنيابة الإلهية في هذه الدنيا هي أعلى درجات الرقي الإنساني. ونائب الحق - الله - خليفة الله في الأرض. وهو أكمل ذات تطمح إليها الإنسانية، وهو معراج الحياة الروحي.

تلتئم في حياة نائب الحق عناصر النفس المتضادة، توحدها أعلى القوى وأعلى الأعمال. فيتوحد فيها الذكر والفكر ، والخيال والعمل، والعقل والخصائص الجبلية. فهو آخر ثمر في شجرة الإنسانية. تحبب إليه الصعاب والشدائد في سبيل رقي الحياة. وهو الحاكم الحق لبني الإنسان؛ لأن حكومته هي في الحقيقة حكومة الله ... ونحن نقترب منه على قدر ارتقائنا. وبهذا القرب تعلو قيمتنا في الحياة.

وأول شرط لظهور نائب الحق أن ترقى الإنسانية في جانبيها الروحي والجسمي. فإن ارتقاء الإنسانية يقتضي ظهور أمة مثالية تتجلى في أفرادها في الجملة هذا التوحد الذاتي، وتصلح لأن يظهر فيها نائب الحق.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ٢٢