8
إن الشعور يقع في مراكز معينة، ويعبر عنه عبارات مختلفة ثم ينتهي إلى أن يكون غير قابل للتفسير، ولكن هذا الذي لا يقبل التفسير إذا تجاوز مراكز الشعور ينتهي إلى وحدة يعبر عنها بالمطلق تفقد فيها كل مراكز الشعور المحدودة فرديتها كما تفقد القطرة في البحر.
يرى بريدلي أن هذه المراكز المحدودة ليست إلى مظهرا. وفي فلسفته أن ثبوت الحقيقة بعمومها. فالحقيقة في نفسها محيطة. وكل محدود إضافي لا مطلق. فهو خداع نظر. كل شيء في الكائنات محدود، فهو إضافي فهو باطل.
فمذهب الأستاذ بريدلي أن كل مركز للشعور محدود، أي كل ذات مفردة، خداع نظر وباطل. وأنا أقول، على خلاف هذا: إن مركز الشعور المحدود الذي لا يدرك «الذات» هو حقيقة الكائنات. فالذات حق لا باطل.
الحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي. حيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء. والخالق كذلك فرد ولكنه أوحد لا مثل له.
وظاهر أن هذا التصور للكائنات يخالف كل المخالفة ما ذهب إليه شراح فلسفة هيگل من محدثي الإنكليز، ويخالف أصحاب وحدة الوجود الذين يرون أن مقصد حياة الإنسان أن يفني نفسه في الحياة المطلقة أو «أنا» المطلق كما تفنى القطرة في البحر.
أرى أن هدف الإنسان الديني والأخلاقي إثبات ذاته لا نفيها، وعلى قدر تحقيق انفراده أو وحدته يقرب من هذا الهدف.
قال الرسول
صلى الله عليه وسلم : «تخلقوا بأخلاق القرآن»، فكلما شابه الإنسان هذه الذات الوحيدة كان هو كذلك فردا بغير مثيل.
إننا نسأل ما الحياة؟ وواضح أن الحياة أمر فردي. وأعلى أشكاله - التي ظهرت حتى اليوم - «أنا» وبها يصير الفرد مركز حياة مستقلا قائما بنفسه. فالإنسان من الجانبين الجثماني والروحي مركز حياة قائم بنفسه، ولكنه لما يبلغ مرتبة الفرد الكامل.
وتنقص فرديته على قدر بعده من الخالق. والإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله، ولكن ليس القصد من هذا القرب أن يفنى وجوده في وجود الله، كما تقول فلسفة الإشراق، بل هو - على عكس هذا - يمثل الخالق في نفسه.
وقد بين جلال الدين الرومي هذه النقطة بيانا حسنا؛ إذ قال: إن حليمة السعدية حاضنة الرسول
صلى الله عليه وسلم
افتقدته يوما وهو طفل ففزعت وتولهت، فسمعت من الغيب هذا النداء: «لا تحزني فلن تفقديه، بل العالم كله يفقد فيه!»
يعني أن الفرد الكامل والإنسان الحقيقي لا يضل في الكائنات، بل تضل هي فيه؛ أي تسخر له فيتصرف فيها.
وأنا أجاوز هذه المنزلة فأقول: يفقد رضا الحق - الله - في رضاه.
الحياة رقي مستمر، تسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها. وحقيقتها أن تخلق دائما مطالب ومثلا جديدة. وقد خلقت من أجل اتساعها وترقيها آلات كالحواس الخمس والقوة المدركة؛ لتقهر بها العقبات والمشقات.
وأشد العقبات في سبيل الحياة المادة أو الطبيعة، ولكن المادة ليست شرا كما يقول حكماء الإشراق، بل هي تعين الذات على الرقي، فإن قوى الذات الخفية تتجلى في مصادمات هذه العقبات.
وإذا قهرت الذات كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار. الذات في نفسها اختيار وجبر، ولكنها إذا قاربت الذات المطلقة نالت الحرية الكاملة. والحياة جهاد لتحصيل الاختيار، ومقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها. (1) دوام الذات أو الشخصية
مركز حياة الإنسان ذات «خودي» أو شخص، أعني أن الحياة حينما تتجلى في الإنسان تسمى ذاتا.
وشخصية الإنسان من الوجهة النفسانية حال من التوتر. ودوام الشخصية موقوف على هذه الحال. فإن زالت هذه الحال عقبتها حال من الاسترخاء مضرة بالذات. فإن يكن في حالة التوتر هذه كمال الإنسان فأول فرض عليه أن يعمل لدوام هذه الحال والحيلولة دون حال الاسترخاء. وكل ما يمكننا من إدامة حال التوتر يمكننا من الخلود.
وهذا التصور للشخصية يقوم معيارا لقيم الأشياء، أعني أن في ذاتنا معيار الحسن والقبح. وبهذه تحل مسألة الخير والشر، فما يقوي الذات خير، وما يضعفها شر. ويجب أن يقوم الدين والأخلاق والفنون بهذا المعيار.