3
وفخر الدين العراقي
4
حتى اصطبغ بهذه الصبغة كل شعراء العجم في القرن السادس الهجري. إن مزاج الإيرانيين الرقيق وطبعهم اللطيف، لم يصبر على المشقة الفكرية التي لا بد منها في السير من الجزء إلى الكل. فطووا المرحلة الوعرة التي بين الجزء والكل بالتخيل، ورأوا في «عرق السراج» «دم الشمس» وفي «شرار الحجر» جلوة الطور.
5
خاطب فلاسفة الهند العقل في إثبات وحدة الوجود. وخاطب شعراء إيران القلب، فكانوا أشد خطرا وأكثر تأثيرا، حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة، فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل.
ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية - من علماء المسلمين ، وواحد محمود من فلاسفتهم - أول من رفعوا الصوت باستنكار هذه النزعة، ولكن مصنفات واحد محمود لا تلفى اليوم. ولا ريب أن منطق ابن تيمية القوي أثر أثره، ولكن جفاف المنطق لا يقوى على مقاومة نضرة الشعر وفتنته.
وقال الشيخ علي حزين: إن التصوف جميل في الشعر؛ فدل على أنه عرف حقيقة الأمر. ولكن أقواله تدل على أنه لم ينج من تأثير بيئته. فكيف كان الفكر الإسلامي في الهند يستطيع المحافظة على نزوعه إلى العمل؟
استولت على مرزا بيدل لذة السكون، فلم يستحسن حتى طرفة العين. يقول:
إن في بيت الزجاج لطائف محيرة فلا تطرف عينك فتخدش صبغة هذا المنظر.
6
وللشاعر تمتنا بيت يقول فيه:
انظر إلى كل ما يأتي أمامك ولا تنطق اتخذ عينا كعين مرآة وفما كفم الصورة.
وتمتاز أمم الغرب بين أمم العالم بميلها إلى العمل. فآراؤهم خير دليل لأمم المشرق إلى فهم أسرار الحياة.
بدأت الفلسفة الجديدة في الغرب من وحدة الوجود التي دعا إليها الفيلسوف الهولندي الإسرائيلي،
7
ولكن مسحة العمل غلبت على طبائع الغرب. فلم يلبث طويلا طلسم وحدة الوجود التي أثبتت بأدلة رياضية. سبق الألمان إلى إثبات حقيقة «أنا» الإنسانية المستقلة، ثم تحرر من هذا الطلسم الخيالي فلاسفة الغرب على مر الزمان ولا سيما فلاسفة الإنكليز.
والحق أن لأفكار الإنكليز العملية فضلا على أمم الأرض كلها. فإن «إحساس الواقعات» عندهم أحد منه عند الأمم الأخرى؛ ولهذا لم يرج في بلاد الإنكليز حتى اليوم كل نظام فلسفي من نسج الفكر لا يثبت في ضوء الواقعات.
ويختم إقبال بقوله:
هذه خلاصة تاريخ المسألة التي هي موضوع هذه المنظومة. وقد اجتهدت أن أحرر هذه المسألة الدقيقة من تعقيد الأدلة الفلسفية، وألونها بألوان الخيال ليتيسر إدراك حقيقتها.
ولم أقصد بهذه الديباجة إلى تفسير هذه المنظومة. ولكن أردت أن أدل على الطريق من لم يلم من قبل بدقائق هذه المسألة العسيرة.
ولا ينبغي هنا أن أتناول هذه المنظومة من حيث الشعر، فإنما خيال الشعر فيها وسيلة إلى توجيه الناس إلى هذه الحقيقة.
إن لذة الحياة مرتبطة باستقلال «أنا» وبإثباتها وأحكامها وتوسيعها. وهذه الدقيقة تمهد إلى فهم حقيقة «الحياة بعد الموت».
وينبغي أن يعلم القراء أن لفظ «خودي» لا يستعمل في هذه المنظومة بمعنى الأثرة كما تستعمل في اللغة الأردية غالبا. إنما معناها الإحساس بالنفس أو تعيين الذات. وهي بهذا المعنى في كلمة «بيخودي» كذلك.
هذه خلاصة المقدمة المنثورة التي أثبتها محمد إقبال في الطبعة الأولى لأسرار خودي، ثم حذفها في الطبعات التالية.
وقد كتب الأستاذ نكسلون المستشرق الإنكليزي، مترجم مثنوي جلال الدين الرومي ومترجم أسرار خودي إلى الإنكليزية؛ إلى إقبال يسأله أن يكتب مقالا يوضح فيه مذهبه؛ فكتب إليه مقالا أجمل فيه فلسفته، فأثبت نكلسون بعضه في مقدمة ترجمته لأسرار خودي. والمقال أحسن مقدمة لهذه المنظومة ولفلسفة إقبال كلها.
وقد رأيت أن أثبته هنا، فترجمته من النص الأردي مع تغيير قليل واختصار، وإليك المقال:
يقول الأستاذ بريدلي: