ويكمل هذا الديوان ديوانه الثاني الذي نشره سنة 1918: «رموز بي خودي».
والدواوين التي أنشئت بعد شعر في موضوعات شتى، وصور لا ينالها حصر، ولكن فلسفته تشيع فيه ظاهرة خفية، وصريحة ومكنية. ويسوغ أن نصف هذه الدواوين بأنها شعر فيه فلسفة.
نشرت منظومة أسرار خودي سنة 1915، فثار الناس لها بين راض وساخط، ومستحسن ومستنكر، بل بين مصفق طربا يثني معجبا، وصائح يتعجب ويستنكر، ويدبر، وينفر. وقبل أن أبين كيف تلقى الناس فلسفة إقبال كما بينها في كتابه «أسرار خودي» أثبت خلاصة المقدمة المنثورة التي صدر بها إقبال كتابه. •••
يقول إقبال في رسالة إلى الشاعر الكبير أكبر إله آبادي الملقب لسان العصر، كتبها في 18 أكتوبر 1915، بعد نشر أسرار خودي بستة أشهر:
الدين بغير القوة فلسفة محضة.
1
هذا حق لا ريب فيه. وهذا في الحقيقة، ما دعاني إلى كتابة المثنوي «أسرار خودي». وأنا منذ عشر سنين في هم وتفكير من أجل هذا الموضوع.
فقد لبث إقبال سنين يفكر في حال المسلمين، ويمعن النظر في أسباب ضعفهم، ويجيل الفكر في ماضي الأمم وحاضرها، ويقرأ فلسفتها حتى انتهى إلى مذهبه الذي أبان عنه في منظومته هذه: «أسرار خودي».
قدم الشاعر لهذه المنظومة مقدمة منثورة مجملة بحث فيها في نفس الإنسان ومذاهب الأمم فيها، وفي العمل واختلاف الفلسفات فيه.
وحذف الشاعر هذه المقدمة بعد الطبعة الأولى، ولكنها على إجمالها تبين المذهب الفلسفي الذي ذهب إليه الشاعر حين نظم كتابه، وتجمع للقارئ ما انتثر في هذا النظم من آراء.
وسأجمل القول فيها على إجمالها؛ يبدأ إقبال المقدمة بقوله؛
هذه الوحدة الوجدانية أو نقطة الشعور المنيرة التي تستنير بها أفكار الإنسان وعواطفه ورغباته، أمر تحيطه الأسرار، ينظم ما في فطرة الإنسان من كيفيات متفرقة غير محدودة.
ما هذا الشيء الذي نسميه «أنا» أو «خودي» أو «مين»
2
الذي يبدو في أعماله ويخفى في حقيقته، والذي يخلق كل المشاهدات، ولكن لطافته لا تحتمل المشاهدة؟ أهو حقيقة دائمة أم أن الحياة تجلت في هذا الخيال الخادع، وهذا الكذب النافع، تجليا عرضيا لتحقيق مقاصدها العملية الراهنة؟
إن سيرة الأفراد والجماعات موقوفة على جواب هذا السؤال ... ولكن جواب هذا السؤال لا يتوقف على المقدرة الفكرية في الآحاد والجماعات، كما يتوقف على طباعها وفطرتها. فأمم الشرق المتفلسفة أميل إلى أن تعتبر «أنا» في الإنسان من خداع الخيال. وهي تعد الخلاص من هذا الغل نجاة. وميل أهل الغرب إلى العمل ساقهم إلى ما يلائم طباعهم في هذا البحث.
ويمضي إقبال في مقدمته قائلا:
اختلطت في عقول الهنادك وقلوبهم، النظريات والعمليات اختلاطا عجيبا. ودقق حكماؤهم في حقيقة العمل، وانتهوا إلى هذه النتيجة: إن حياة «أنا» المسلسلة، وهي أصل المصائب والآلام، منشؤها العمل، وإن حالة النفس الإنسانية نتيجة محتومة لأعمالها.
ولا ريب أن آراءهم جديرة بالإعجاب من جهة الفلسفة، ولا سيما جرأتهم على قبول كل نتائج القضية، وقولهم إنه لا سبيل إلى الخلاص من شرك «أنا» إلا ترك العمل.
ولكن في هذا خطرا عظيما في حياة الواحد والجماعة. فلم يكن بد من أن يظهر في الهند مجدد يبين حقيقة المقصود من «ترك العمل». وكان هذا المجدد شري كرشن. فقد بين أن ليس المقصود ترك العمل حقا، فالعمل مقتضى الفطرة وفيه قوة الحياة، بل المقصود ألا يربط قلب الإنسان بالعمل ونتائجه. وتبع هذا المجدد آخر هو شري رام نوج، ولكن جاء على أثرهما شري شنكر أجاريه فخالفهما، وحرم الناس من ثمرات هذا التجديد.
وكانت رسالة الإسلام في غربي آسيا دعوة إلى العمل بليغة. فالإسلام يرى أن «أنا» مخلوق ينال الخلود بالعمل، ولكن تشابها عجيبا في تاريخ الفكر الهندي والإسلامي يظهر في بحث هذه المسألة. فالفكرة التي فسر بها شنكر أجاريه، كتاب الجيتا - گيتا - هي الفكرة التي فسر بها القرآن محيي الدين ابن عربي الأندلسي. وكان له أثر بليغ في عقول المسلمين وقلوبهم. جعل ابن عربي بعلمه ومكانته مسألة وحدة الوجود عنصرا في الفكر الإسلامي. واقتفى أثره أوحد الدين الكرماني