وعلى الضريح صفائح من المرمر. وقد كتب على شاهده: إن محمد نادر شاه ملك الأفغان أمر بصنع هذا الضريح اعترافا منه ومن الأمة الأفغانية بفضل الشاعر.
إن في هذا الضريح الثاوي في حضانة المسجد الكبير، الذي بناه محي الدين أورنگ زيب، الذي بلغت دولة المسلمين في عهده أوج عزتها، والقائم على مقربة من الآثار الرائعة التي خلفها ملوك المسلمين في قلعة لاهور الهائلة؛ إن في هذا الضريح لوحيا لا يفتر، وذكرى لا تنقطع، من حاضر المسلمين وماضيهم، ومن معالي الإسلام وشعر إقبال؛ وإن شعر إقبال ليجلي لقارئه حضارة الإسلام وتاريخه في صور رائعة هائلة، ويفسر هذه الآثار المحيطة تفسيرا جميلا جليلا، وإن من يقرأ شعر إقبال ليستأنف في الإسلام وتاريخه نظرا، ويجد فيه تفكيرا ... ماذا عسى أن يقول قائل في إقبال وضريح إقبال. حسبك أيها القلم. يرحم الله محمد إقبال.
صدى نعيه في الهند
كانت وفاة إقبال حسرة على مسلمي الهند بما فقدوا المرشد الهادي وافتقدوا الدليل الحادي، وبما حرموا هذا الينبوع الثرار بل النهر الهدار.
وقد رددت هذه الحسرة مقالاتهم، ورسائلهم وأشعارهم، وشارك المسلمين غيرهم في الأسى عليه وإكبار فقده.
وقراء العربية أكثرهم لا يعرفون كبراء الهند وأدباءها، فأثبت هنا طرفا من أقوالهم. فحسبي أن أثبت مقال رجلين: أحدهما زعيم سياسي مسلم، وثانيهما شاعر فيلسوف هندوكي، ذانكم محمد علي جناح رئيس العصبة الإسلامية ومؤسس باكستان. والثاني طاغور الشاعر الذي ذاع ذكره في المشرق والمغرب.
قال محمد علي جناح:
كان شاعرا منقطع النظير، طبق صيته الآفاق. وستبقى كلماته حية أبدا، وإن مساعيه لأمته وبلده لتضعه في صف أكبر كبراء الهند. وإن وفاته اليوم لخسارة كبيرة للهند عامة والمسلمين خاصة.
وقال في خطاب ألقاه في الاحتفال بذكرى إقبال في جامعة بنجاب سنة 1940م:
إن حييت حتى رأيت للمسلمين دولة قائمة في الهند فخيرت بين الرياسة العليا في هذه الدولة المسلمة، وبين كتب إقبال، لم أتردد في اختيار الثانية.
وكتب إلى ابن إقبال بعد وفاته:
كان لي صديقا ومرشدا وفيلسوفا. وكان في أحلك الساعات التي مرت بالرابطة الإسلامية راسخا كالصخرة، لم يزلزل لحظة واحدة قط.
وقال طاغور:
وتركت وفاة إقبال في أدبنا خلاء يشبه جرحا مهلكا، ولن يملأ إلا بعد مدة مديدة. إن مكانة الهند في العالم ليست مكينة، فموت شاعر عالمي كهذا مصيبة لا تحتملها البلاد.
ومما قاله طاغور كذلك:
لا ريب عندي أن ما ناله شعر إقبال من قبول وصيت يرجع إلى ما فيه من نور الأدب الخالد وعظمته. ويؤسفني أن بعض النقاد وضع أدبي وأدب إقبال في ميزان المنافسة، وجهدوا أن يشيعوا أغلاطهم في هذا الشأن. وهذا عمل لا يليق بالأدب الفسيح الذي يخاطب النوع الإنساني كله؛ لأن في ساحة الأدب العالمي يقوم الشعراء وأولو الفن في صف واحد من الأخوة الإنسانية.
ويقيني أني ومحمد إقبال عاملان للصدق والجمال في الأدب. ونحن نلتقي حيث يقدم القلب الإنساني والعقل إلى عالم الإنسانية أجمل هداياهما وأروعها.
الباب الثاني
| فلسفة إقبال
الفصل الأول
| منظومة أسرار خودي
يستطيع الناقد البصير أن يجد في شعر إقبال، الذي أنشأه في صباه قبل سفره إلى أوروبا لمعا من فلسفته، وشررا من ناره التي اشتعلت فأضاءت من بعد. وتتسع هذه اللمع ويكثر هذا الشرر على مر الزمان حتى ينشر أول دواوينه الفلسفية «أسرار خودي» سنة 1915م فيتجلى مذهبه، وتتضح طريقته في الفلسفة والشعر. إن نشر منظومة «أسرار خودي» حد بين عهدين؛ فالشعر الذي نشر قبل فيه نفحات من فلسفته، ونفحات من شعره متفرقة غير جلية.
ويتضمن هذا الشعر ديوان «بانگ درا»؛ صلصلة الجرس.
وأسرار خودي تمتاز بأنها منظومة واحدة على القافية المزدوجة. فيها فصول يوضح فيها إقبال فلسفته في الذات فكرة بعد فكرة، ولكن هذه الفلسفة ممزوجة بالشعر، عليها رونقه ومعها أخيلته وصوره. فهي فلسفة فيها شعر.