وأرسلت إليه جزازة من صحيفة في جنوبي أفريقيا فيها أن المسلمين في اجتماع لهم في ناتال، دعوا له ولجناح وكمال أتاتورك بطول الحياة. فقال: أنا ختمت عملي، وجناح يؤدي رسالته، فعلى المسلمين أن يدعوا له هو بطول العمر. وفي مساء العشرين من نيسان دخل عليه ابنه جاويد وسنه حينئذ ثلاث عشرة سنة. فقال له: هلم إلي يا بني! اجلس، فما أدري لعلي ضيف لبضعة أيام. قال أحد الحاضرين: إنه صغير السن يفزعه مرضك. فأجاب: أريد أن يلقى كل حدث لقاء الرجال. وقال لجود هري محمد حسين، وكان من المقربين إليه ووصي على أولاده بعد موته ولقيته سنة 1947 في لاهور وذهبت معه إلى دار إقبال وقبره، وفي دار إقبال لقيت جاويد فأهدى إلي صورة والده، ولم يعش محمد حسين بعد صديقه كثيرا؛ قال له إقبال: كتبت في آخر «جاويد نامه» أبياتا عنوانها «خطاب لجاويد»، وقلت فيها: إن في عصرنا هذا قحطا في الرجال. وعسير فيه الظفر بلقاء رجال الله؛ فإن تكن سعيد الجد لقيت أحد أصحاب البصائر، وإلا فاعمل بهذه النصائح.
ثم قال: وحين يشب جاويد، بعد موتي، أفهمه هذا الشعر.
وفي هذه الليلة سئل عن صحته، فقال: أريد الخلاص من هذه المشقة فورا. (5) وفاته
روي عن راجه حسن، وكان مع إقبال ليلة وفاته - ولقيته في لاهور مرات وفي كراجى وسمعت منه هذا - أن إقبالا رحمه الله - أنشد قبل موته بنحو عشر دقائق:
نغمات مضين لي هل تعود؟
أنسيم من الحجاز يعود؟
آذنت عيشتي بوشك رحيل
هل لعلم الأسرار قلب جديد؟
ومن شعر إقبال:
آية المؤمن أن يلقى الردى
باسم الثغر سرورا ورضا
وكذلك كان إقبال حين الموت. وضع يده على قلبه قائلا: الآن بلغ الألم هنا. وتأوه وأسلم الروح إلى خالقها وهو مبتسم. وما بدا عليه أثر من سكرات الموت، وكان إلى اللحظة الأخيرة كامل الشعور. «إنا لله وإنا إليه راجعون.»
عمره
توفي إقبال وعمره بالتوقيت الهجري: سبع وستون سنة وشهر وستة وعشرون يوما، وبالحساب الشمسي خمس وستون سنة وشهر وتسعة وعشرون يوما.
الاحتفال بجنازته ودفنه
شاع في الناس النبأ الفاجع، والخطب الصاعق؛ نعي إقبال. فكان الأسى على قدر حب الناس إياه، وإكبارهم وإعظامهم له، وعلى قدر ما وعت قلوبهم، وأنشدت أفواههم من شعره، وعلى قدر ما نفذت إلى سرائرهم، وأنارت في ضمائرهم أقوال الرجل العظيم الخالد، داعية الحياة والإقدام ومصور الإنسانية في أروع صورها وواصف الحياة في أجمل وجوهها.
عطلت الدواوين والمتاجر، وذهب الناس زرافات ووحدانا إلى «جاويد منزل» دار محمد إقبال.
رأيت أنا هذه الدار مرات. ما ذهبت إلى لاهور إلا زرتها، وهي دار صغيرة، طبقة واحدة، يلج داخلها إلى فناء صغير، ثم يصعد درجات إلى بهو، يفضي إلى حجرتين عن يمين وشمال. دخلت الحجرة التي إلى الشمال وقيل هذه حجرة إقبال. كان ينام فيها ويكتب شعره، ويمضي كثيرا من وقته.
قلت هذه الحجرة التي وسعت الدنيا بل وسعت العالم، بل وسعت ما هو أعظم من العالم وأوسع، قلب المؤمن. كم تنزل في هذه الحجرة وحي الشعر! وكم ازدحمت فيها أفكار الفلسفة! وكم خفق فيها قلب هو كما قلت قبلا في رثاء محمد فريد - رحمه الله:
قلب يريد زماعه وطماحه
زلزال هذي الأرض بالخفقان
قبره
اتفق جماعة من أصدقاء إقبال وأولي الرأي في المدينة على أن يتخذوا لشاعر الحياة قبرا في فناء المسجد الجامع «شاهي مسجد»، وهو فناء واسع يفضي إليه من جهة الجنوب باب كبير في سور حول المسجد عال، تمتد معه أبنية كثيرة.
اختيرت بقعة إلى يسار الداخل إلى الفناء، على مقربة من الدرج الكبير الصاعد إلى باب المسجد الرائع، اختيرت هذه البقعة لجثمان إقبال، اتخذت هذه الخزانة لهذا الكنز، بل اتخذ هذا الصوان لهذا الكتاب الخالد.
وقد رأيت ضريح إقبال سنة 1947م، وكانت الحجرة التي فيها الضريح لم يكمل بناؤها، ثم زرته مرات من بعد حينما قدمت باكستان سفيرا. وقد تمت الحجرة ونقش على جدارها أبيات من شعر إقبال، يتردد نظر العبرة والخشوع بينها وبين الضريح المائل الذي يحنو على رفات الشاعر الخالد.