تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو يبدي تجلدا وعليه

كلكل من كلاكل الدهر مرسى

بل كما قلت أنا فيه من شعر الصبى:

فهو قلب من الأمان خلي

حائر في بلاه ليس بسال

كاد يملي على عقائده الشك

ك زوال التسبيح والإهلال

فهو لولا الإيمان هدمه اليأ

س فيخوي على الذرى والقلال

كيف آي أضاءها في جدار

قلم مد من مداد الجمال

هل لها قارئ هناك عليم

بمعاني الهدى وسر الجلال

سور تسكن الغبار كما غا

ض برمل نبع النمير والزلال

ومرايا الزمان تصدأ كالمر

آة قد طال عهدها بالصقال

ليت شعري أستطاع إقبال أن يسمع من وراء الأجيال الأذان، تردده مآذن جامع قرطبة؟ أم أنصت إلى القرآن يرتله الأئمة في المحراب؟ أم انقلبت آيات القرآن التي لا تزال تنير في جدران المسجد ترتيلا في أذنه، ووحيا في قلبه؟ أي قصيدة هذه؟ أي شاعر ينطم القصيدة التي عنوانها: «إقبال في محراب قرطبة».

ولما أعيد تنظيم الرابطة الإسلامية سنة 1935 انتخب إقبال رئيس شعبة الرابطة في بنجاب، وذلكم قبل وفاته بثلاث سنين.

ولم يعجز إقبالا مرضه المزمن، عن التفكير والعمل والكتابة ونظم الشعر. ورسائله التي كتبها في آخر حياته إلى القائد الأعظم وغيره شاهدة بوقدة قلبه، وذكاء عقله، ومضيه في جهاده على العلات وتمطره في حلبته حتى الممات.

لقب «سير»

في سنة 1922 قدم لاهور صحفي إنكليزي ساح في المشرق، وسمع صيت إقبال الأدبي في أوروبا وبلاد الشرق. فأشار على حكومة بنجاب أن تمنح الشاعر الكبير لقب سير. فدعي إقبال إلى دار حاكم بنجاب الإنكليزي لأول مرة. وقد حكى أحد أصدقائه

4

أنه لم يرغب في إجابة الدعوة وأنه ألح عليه وحمله في عربته إلى دار الحاكم، ثم اقترحت له ألقاب أقل من رتبة سير فأباها، ثم عرض عليه لقب سير فرغب عنه ولكن أحد كبار أصدقائه

5

أصر على قبوله. فقبل على شرط أن يمنح أستاذه مير حسن، لقب شمس العلماء. وهو الأستاذ الذي ثقفه في الأدب العربي والفارسي كما ذكرنا قبلا. ولم يكن الأستاذ ذا صيت يسوغ منحه هذا اللقب، ولكن إقبالا أصر عليه فقبله الحاكم.

وقد آخذ بعض الناس إقبالا بقبول هذا اللقب من الإنكليز وأذاعوا عنه أقاويل. ونشرت بعض الصحف نظما ونثرا فيهما هزؤ بالشاعر الثائر داعية الحرية، ولكن أصدقاءه والمعجبين به احتفلوا بهذه المنحة احتفالا كبيرا عند قبر جهانگير في ضواحي لاهور. وشارك الهنادك والسيك، المسلمين في هذا الاحتفال.

وما كان لقبول هذا اللقب أثر ما في نفس الشاعر الفيلسوف وعمله. وما زال طول حياته ينفث شعره في النفوس حياة وقوة وإباء وجهادا ودعوة إلى الحرية وثورة على الجبروت، وإيقاظا للمسلمين خاصة، وتبصيرا لهم بمكانهم في هذا العالم ومكانتهم في تاريخه. وما أعرف كشعر إقبال دعوة إلى الثورة على الاستعباد والتمرد على الطغيان، وإلى لقاء الشدائد في هذه الحياة بأكبر منها أملا وعزما وجهادا. (4) مرضه

شرعت العلل تعتري الشاعر الفياض، الذي يخيل إلى قارئه أنه لا يفتر ولا يمل ولا يمرض ولا يموت.

أصابته حصاة في الكلية، فعالجه الحكيم البصير الدهلوي

6

فنجع علاجه.

وفي سنة 1935 بح صوته، وجهد كثير من الأطباء في شفائه، فلم يجد جهدهم حتى عالجه الحكيم البصير فخفت العلة قليلا.

وفي السنة نفسها توفيت زوجه، فبلغ موتها من نفسه، وأحزنه كثيرا.

وترادفت علل أصاب بعضها القلب، واستمرت تنقص من قوته شيئا فشيئا، تنقص من قوة جسمه ولا تنال من عقله وروحه. فلم يفتر عن نظم الشعر، ولم ينقطع عن التفكير والبيان حتى الأيام الأخيرة.

واشتدت العلة في شهر نيسان 1938، وبلغت مبلغ الخطر في التاسع عشر من الشهر. وعني الأطباء به كل عناية، فما أغنى حرصهم على شفائه شيئا.

وكان - رحمه الله - يحس دنو أجله ويذكره غير هائب ولا جازع. وكان يردد قبل موته ببضعة أيام أن المسلم يلقى الموت مسرورا. وقال لصديق ألماني قبل وفاته بيوم: إني مسلم لا أرهب الموت، إذا جاء الموت لقيته مبتسما.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ١٦