فينبغي إذا ألا نلتمس اتحاد الهند في محو الفوارق بين الجماعات، بل نلتمسه في الاعتراف باختلاف الجماعات والعمل للتعاون بينها.
إن السياسي ينبغي أن يعترف بالحقائق الماثلة ويستفيد منها جهد الطاقة. وإن وجدنا وسائل للتعاون الحق، يحل السلام والصفاء في هذه الأرض العتيقة، وتحل مشاكل آسيا السياسية كلها. إنا ليحزننا أن نرى إخفاقنا في مساعينا إلى الاتفاق على ما يحقق السلام بيننا.»
ويتصل بهذه الخطبة خطبته في المؤتمر الإسلامي حينما تولى رياسة اجتماعه السنوي سنة 1932. قال فيها:
أنا لا أقبل الوطنية كما تعرفها أوروبا، وليس إنكاري إياها خوفا من أن تضر بمصالح المسلمين في الهند، ولكن أنكرها لأني أرى فيها بذور المادية الملحدة، وهي عندي أعظم خطرا على الإنسانية في عصرنا.
لا ريب أن الوطنية لها مكانها وأثرها في حياة الإنسان الأخلاقية، ولكن العبرة في الحقيقة بإيمان الإنسان وثقافته وسننه التاريخية. هذه هي في رأيي الأشياء التي تستحق أن يعيش لها الإنسان ويموت من أجلها، لا بقعة الأرض التي اتصلت بها روح الإنسان اتفاقا.
وفي هذا توكيد لما قال من قبل عن مقومات الأمم في خطبته سنة 1930. وكتب إقبال إلى محمد علي جناح رئيس الرابطة الإسلامية الملقب القائد الأعظم سنة 1937، فقال فيما قال:
إن خير وسيلة إلى السلام في الهند في هذه الأحوال أن تقسم البلاد على قواعد جنسية ودينية ولغوية.
كان إقبال أول من دعا إلى أن تقسم الهند فيكون للمسلمين بها موطن يخصهم؛ إذ رأى محالا أن يعيش سكان الهند جماعة واحدة أو جماعتين متعاونتين.
وكانت هذه، في رأي الناس، دعوة عجيبة لقيها بعضهم بالتعجب والسخرية، ورآها بعضهم حلم رجل مجنون. •••
واشترك إقبال في مؤتمر الطاولة المستديرة سنة 1931 و1932 في لندن، وكان المؤتمر ينظر في دستور جديد للهند. وكان لأقواله وأعماله أثر بين في أعمال المؤتمر. وقد مر في سفره بروما وأقام بالقاهرة أياما.
وقد احتفلت بمقدمه جمعية الشبان المسلمين وشهدت الاحتفال. ودعاني أستاذي الشيخ عبد الوهاب النجار رحمه الله - وكان وكيل الجمعية - إلى أن أعرف الحاضرين بالضيف العظيم. فتكلمت على قدر معرفتي بإقبال يومئذ، وأنشدت بعض ما تذكرت من شعره. وأذكر أني أنشدت أبياتا من ديوانه رسالة المشرق.
وألقى هو محاضرة باللغة الإنكليزية تكلم فيها عن تطور الفكر الإسلامي أو في موضوع قريب من هذا. ولا أزال أتمثله قائما يتدفق في بيانه ويروع بعلمه وفكره. وقلت له بعد المحاضرة: ليس في وسعي أن أنشد شعرك أحسن مما أنشدت. فقال: أنشدت إنشادا صحيحا.
وأذكر أني كنت في درس التاريخ الإسلامي في كلية اللغة العربية من الجامع الأزهر، فدخل هو وجماعة معه وأنا أتكلم في أنساب العرب، ثم برح القاهرة. وكان هذا آخر عهدي به. توجه تلقاء بيت المقدس فشهد المؤتمر الإسلامي، وتكلم هناك. ولو سجلت كلمة إقبال في المسجد الأقصى لوجدنا فيها للمسلمين خيرا كثيرا.
وفي السنة التالية شهد مؤتمر الطاولة المستديرة الثالث، وفي عودته مر بإسبانيا، ورأى آثار المسلمين فيها، فأوحت إليه شعرا منه قصيدته الخالدة في جامع قرطبة. وقد استأذن حكومة إسبانيا في أن يصلي بالجامع. ولعلها أول صلاة فيه منذ غابت شمس الإسلام عن قرطبة.
والذي يرى صورة شاعرنا الفيلسوف المسلم الغيور مصليا في جامع قرطبة، يقرأ قصيدة بليغة، ويتخيل ما جال في فكر شاعر الإسلام في هذا المقام الهائل، والمشهد الرائع.
لقد نظم إقبال نفسه هذه القصيدة، ونشرت في ديوان بال جبريل. وهي إحدى بدائعه. لا يفوق شاعر إقبالا فيما نظم في جامع قرطبة، ولكن أرى في صلاته قصيدة تروع نفسي معانيها ويكاد قلمي يخط ألفاظها. وعسى أن أخطها يوما. ماذا جال في نفس شاعر الإسلام وهو في محراب الجامع والجامع عطل من الصلاة والآذان؟ وهو كما قال البحتري في إيوان كسرى: