تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي هذا الصدد أذكر ما روي عن إقبال أنه حدث برجسون في الزمان - ولهذا الفيلسوف نظرية فيه توافق فلسفة إقبال من بعض الوجوه، وأن برجسون وثب من كرسيه عجبا حينما ذكر إقبال الأثر المعروف: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر.» وهذا الأثر مضمن في شعر إقبال في منظومته رموز بي خودي.

احتفل بإقبال في الجامعة الإسلامية وتكلم كثير في الإشادة بأدبه، وكان ممن تكلم هناك مولانا أسلم الجراجبوري، فقال:

قرأت الشعر بالعربية والفارسية والأردية. ولا حرج علي أن أقول إن إقبالا أعظم شعراء المسلمين؛ إن كلامه ليفيض بالحقائق الإسلامية، ولقد هدى ناشئتنا سواء السبيل. إن إقبالا حذق علوم الغرب، ثم أبلغ المسلمين الرسالة التي بصرتهم بحقيقة الإسلام وعظمته، وملأت قلوب الشباب الغافل النائم، بحب الرسول والقرآن.

ومنحت جامعة عليكره وجامعة إله آباد إقبالا لقب دكتور قدرا لمكانته في الأدب واعترافا بفضله.

سفره إلى أفغانستان

دعا نادر شاه ملك الأفغان - رحمه الله - محمد إقبال إلى أفغانستان، ودعا معه السير رأس مسعود والشيخ سليمان الندوي، دعاهم ليشيروا على حكومته في أمور الدين والتعليم.

وبلغ إقبال وصاحباه كابل في آخر تشرين الأول سنة 1933، فاحتفى بهم الملك والحكومة والكبراء والأدباء. ثم أشاروا على الحكومة بما رأوا فيه صلاح التعليم؛ فعملت بكثير مما أشاروا به.

وفي هذه السفرة ذهب الشاعر العظيم المولع بتاريخ الإسلام وسير عظمائه في غزنة وقندهار، فزار قبر مكسر الأصنام يمين الدولة وأمين الملة السلطان محمود الغزنوي، وزار قبر الشاعر الصوفي الكبير مجد الدين سنائي. وله قصائد بليغة في هذين المشهدين وغيرهما مما رأى في أفغانستان.

وقد خلد هذه الرحلة بمنظومته «مسافر»، كما سجلها الشيخ سيد سليمان الندوي في كتاب. (3) في السياسة

فلسفة إقبال فلسفة أمل وعمل وجهاد وإقدام، ودعوة عزة وكرامة وحرية. فهي مدد للأمم المجاهدة لحريتها وكرامتها، تبعث فيها النور والنار.

وقد وجه دعوته إلى البشر عامة، والمسلمين خاصة، وأخذ من التاريخ الإسلامي أمثلة لفلسفته وصورا لشعره.

كان شعره، وما يزال، أناشيد مسلمي الهند المجاهدين. ولا ريب أن شعر إقبال أشعل في النفوس ثورة على سلطان الإنكليز في الهند، وأمد المجاهدين بالأمل والعزم والإقدام.

وقد شارك إقبال، إلى هذا، في سياسة بلاده بأقواله وأفعاله، ورأس مجامع سياسية. وكان عمادا قويا لحزب الرابطة الإسلامية.

وحسب رجل أن يقول فيه القائد الأعظم محمد علي جناح: كان لي صديقا، وإماما وفيلسوفا. وكان في أحلك الساعات التي مرت بالرابطة الإسلامية راسخا كالصخرة. لم يزلزل لحظة واحدة قط. •••

وألح عليه أصدقاؤه سنة 1926 أن يرشح نفسه في انتخاب الجمعية التشريعية في بنجاب، فأيده الناس وانتخب بغير عناء. ولا تزال خطبه في هذه الجمعية شاهدة بعمله فيها.

وقد عمل في حزب الرابطة الإسلامية ورأس الاجتماع السنوي في إله آباد سنة 1930. وكانت أحوال مسلمي الهند حينئذ تعظم الشقة والتبعة على من يتصدى لقيادتهم. وفي هذا الاجتماع ألقى خطبة مسهبة دعم فيها آراءه بحجج من الفلسفة والاجتماع والأخلاق. ونبه الناس إلى أن اتحاد الهند عسير في هذه الأحوال، ولا سبيل إلى جمع الكلمة إلا باعتراف كل جماعة في الهند بالجماعات الأخرى، والتعاون بين الجماعات المختلفة.

قال: «إن رينان الفيلسوف الفرنسي يقول: إن الإنسان ليس أسيرا للجنس والدين ولا لمجاري الأنهار وسلاسل الجبال، ولكن كل جماعة كبيرة من البشر، صحيحة العقل حية القلب، ينشأ فيها شعور يجمعها، تسمى أمة .

يعني أن الأمة لا تنشأ بالأقوام والأوطان، ولكن بالشعور الذي يربط آحادها.

ثم قال إقبال: إن الفرق الاجتماعية والجماعات الدينية في الهند لا تقبل التغاضي عن أشخاصها من أجل الوحدة الهندية، حتى ينشأ لها هذا الشعور الذي ينشئ الأمة في رأي رينان. إن لهذا الشعور ثمنا يأبى أهل الهند أن يؤدوه.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعرهص ١٤