وترجم إقبال في هذه المرحلة من عمره قصائد من اللغة الإنكليزية. ونشر أول كتاب له، وهو كتاب في الاقتصاد باللغة الأردية.
وفي هذه السنين كان يفكر في نظم ملحمة على غرار ملتن الشاعر الإنكليزي.
كتب إلى أحد أصدقائه سنة 1903:
أنا منذ زمن طويل أنزع إلى أن أكتب على طريقة ملتن «الفردوس المفقود وغيره»، وأحسب أن الوقت قد حان. فما تمضي ساعة هذه الأيام دون تفكير في هذا الأمر. لبثت أفكر في هذا طول خمس سنين أو ست، ولكن لم أشعر بالنزوع إليه كما أشعر اليوم.
الفصل الرابع
| سفره إلى أوروبا
عزم إقبال على الرحيل إلى أوروبا للتزود من العلم، اتباعا لمشورة السير توماس آرنولد، وسنه يومئذ اثنتان وثلاثون سنة.
وخرج معه بعض أصدقائه لتوديعه إلى دلهي. وبلغ إقبال وصحبه مدينة دلهي صبح الثاني من شهر أيلول سنة 1905. فاستقبلهم في محطة دلهي جماعة فيهم السيد حسن نظامي الدهلوي من أحفاد نظام الدين أوليا، وبعد أن استراح قليلا في دار أحد مستقبليه توجه إلى مزار الشيخ نظام الدين أوليا، وهو من أعظم مزارات الهند مكانة وأكثرها قصادا،
1
وهو في أطراف مدينة دلهي.
وفي طريقه مر على مزار السلطان همايون ثاني ملوك الدولة المغولية، وهو أول مزار شيد لملوك هذه الدولة في الهند. فقد توفي أبوه بابر مؤسس الدولة في كابل ودفن فيها.
2
ولما بلغ مزار نظام الدين أنشد قصيدة باللغة الأردية إنشادا شاجيا.
يقول في هذه القصيدة بعد مدح نظام الدين:
أسير عن الوطن الجميل، تجذبني لذة شراب المعرفة. إني شجرة برية ترمق سحاب الجود، لم يحوجني الله إلى بستاني.
ويقول:
منيتي أن أكون خادم خلق الله ما حييت، لا أتمنى عمرا خالدا
منيتي أن أضع جبيني على أقدام الوالدين، لقد صيرني الوله محرم أسرار الحب.
وفي هذه القصيدة نفحات من شعر إقبال ومن فلسفته، الفلسفة والشعر اللذين شاعا من بعد فملآ الآفاق نورا ونارا.
وخرج من المزار إلى دار السيد حسن نظامي، فتلبث بها قليلا وسمع إنشاد قوال هناك.
3
ثم رجع إلى المدينة دلهي، ومر في طريقه على قبر الشاعر الكبير الذي هو أعظم شعراء المسلمين في الهند قبل إقبال، ميرزا أسد الله غالب المتوفى سنة 1869م.
وقد استأذن القوال في إنشاد بيت لغالب، واستمع إقبال مأخوذا بالشعر والذكرى، فلما هم الحاضرون بالانصراف قبل قبر الشاعر العظيم وانصرف. ومثل إقبال يقدر شعر غالب ويخشع لذكراه ويلثم قبره.
إقبال في أوروبا
توجه إقبال إلى بمباي، فركب سفينة قاصدا إنكلترا، والتحق بجامعة كمبردج لدرس الفلسفة، وتلمذ للأستاذ الدكتور ميكتاكرت. وعكف على المطالعة في مكتبة الجامعة، ونال من هذه الجامعة درجة في فلسفة الأخلاق، ثم سافر إلى ألمانيا فتعلم الألمانية في زمن قليل، والتحق بجامعة ميونخ . وكتب رسالته «تطور ما وراء الطبيعة في فارس»،
4
وهي أول كتاب في الفلسفة عرف الناس بمقدرة إقبال على النظر والبحث، وسعة اطلاعه في الفلسفة. وقد أهدى الكتاب إلى أستاذه توماس آرنلد، ونشره في لندن.
عاد إقبال إلى لندن، فدرس القانون، وجاز امتحان المحاماة، والتحق كذلك بمدرسة العلوم السياسية زمنا.
وكان الأستاذ آرنلد حينئذ أستاذ العربية في جامعة لندن، واضطر إلى الانقطاع عن عمله ثلاثة أشهر، فاختار إقبالا ليخلفه في عمله.
ولم يأل محمد إقبال - وهو في أوروبا - في لقاء العلماء والتحدث إليهم ومداولة الرأي معهم في قضايا من العلم والفلسفة. وكان كدأبه طول عمره مولعا بالقراءة والاستزادة من المعرفة جهد الطاقة.
حدثني الشيخ سيد طلحة، وكان أستاذا في جامعة بنجاب، قال: حدثني خادم مكتبة الجامعة أنه لم ير أحدا كإقبال حرصا على مطالعة الكتب والنظر فيها والاستزادة منها.
وكان إقبال في أوروبا ذلك الحين كثير التحدث عن الإسلام وثقافته وحضارته، وألقى محاضرات في الإسلام نشرتها الصحف الكبيرة، وقد دلت آراؤه وشعره من بعد، أنه لم يعجب بحضارة أوروبا، ولم يخل عليه تمويهها، ولا أبرق عينه لألاؤها. ومما أنشأ قبل عودته إلى الهند قوله: