1
هذه أبيات نظمتها مثاني في أوقات شتى. خطرت لي في الحضر والسفر، حتى في الطائرة، خطرت حين الفراغ وحين العمل، بالليل والنهار.
نظمت الأولى منها فبدا لي أن أنظم أمثالها، وتوالت الخطرات وتوالى النظم. وكتبت ما نظمت فور نظمه أحيانا. وكثيرا ما نظمت في الطريق فحفظت ما نظمت حتى تيسرت كتابته.
ثم حرصت على أن أسجل وقت النظم ومكانه، ولكني لم أثبتهما مع الأبيات لئلا أعني القارئ بهما، إلا أن يكونا متصلين بالمعنى، يتضح بهما، أو يكمل معهما، أو كان في إثباتهما فائدة أخرى.
نظمت الخطرة الأولى على شاطئ بحر العرب من مدينة كراچي يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف من الهجرة (21 آب سنة 1952م).
ونظمت آخرها وأنا أكتب هذه المقدمة، يوم الأحد ثامن عشر صفر 1374ه (17 تشرين الأول سنة 1954).
وإن توالي النظم من بعد على هذا النسق ألحق ما أنظمه بأخواتها في الطبعة الثانية.
ونشرتها كما نظمتها على ترتيب التاريخ ولم أجمع المتشابهات منها بالتقديم والتأخير، فرب بيتين في معنى يبعدان مكانا عن أبيات أخرى في معناهما، ويجاوران أبياتا لها معان بعيدة عنهما.
وكتبت عنوانا لبعض المثاني توضيحا لفكرة اشتملت عليها، أو جمعا للمثاني التي تتوالى في معنى واحد أو التي يجمعها مكان واحد أو زمان من الأمكنة والأزمنة التي رأيت أن أثبتها مع الأبيات، جمعت هذه تحت عنوان واحد وبينت تتابعها بكتابة حرف ت بجانب أرقامها.
وأدع للقارئ تبين ما في هذه المثاني من دعوة إلى الجلال والجمال، والخير والحق، والأمل المشرق، والجد الدائب، والاستكبار على الدنايا، ولقاء الحوادث بعدتها من الإيمان والصبر، وما يتصل بهذه من معاني الحياة الكريمة.
2
وسميتها المثاني
وكان بدا لي أن أسمي هذه الأبيات رباعيات، كاصطلاح أدباء الفرس في الأبيات الثنائية، وكما جرى العرف بين أدباء العرب في هذا العصر، ولكني عدلت عن هذه التسمية بعد التأمل.
وإليك البيان: (أ) الرباعي في الفارسية
عرف وزن الرباعي منذ عرف الشعر الفارسي الحديث، منذ أواخر القرن الثالث الهجري. ويقول شمس الدين محمد بن قيس الرازي مؤلف كتاب المعجم في معايير أشعار العجم - وهو أوسع وأقدم ما كتب في هذا الموضوع بالفارسية:
1
إن أحد متقدمي شعراء العجم - وأحسبه الرودكي
2 - أخرج من بحر الهزج وزنا مقبولا تميل إليه الطباع السليمة فسمي الرباعي.
ثم يروي المؤلف قصة اختراع هذا الضرب من الوزن فيقول إن الشاعر الذي اخترعه كان يجول في متنزهات مدينة غزنة في يوم عيد فرأى جمعا من الصبيان يلعبون بالجوز. وبينهم صبي مليح فصيح اتجهت إليه عيون النظارة، فرمى الصبي جوزة فلم تصب الحفرة وجاوزتها ثم رجعت تتدحرج حتى وقعت فيها فصاح الصبي:
غلتان غلتان همى رود تابن كو (تتدحرج تتدحرج ذاهبة إلى قعر الحفرة).
فأعجب الشاعر بهذه الجملة في هذا الصوت، وأدرك فيها وزنا جميلا فقاسه على أوزان العروض حتى أخرجه من بحر الهزج، وضم إليه شطرا على قافيته وبيتا على وزنه، فصارت الشطرات الأولى والثانية والرابعة متفقة في القافية، والثالثة مطلقة.
ثم يصف المؤلف شيوع هذا الوزن وفروعه، وافتتان الناس به إلى أن يقول:
وجرت العادة أن يسمى ما نظم بالعربية من هذا الوزن «قولا» وما نظم بالفارسية غزلا، وأهل العلم يسمون ملحونات
3
هذا الوزن «ترانه» وغير الملحون «دوبيت» وسماه المستعربة «الرباعي». ا.ه.
وظاهر أن هذا الضرب سمي رباعيا لأنه مؤلف من أربعة أشطر كما سمي «دوبيت» لأنه مؤلف من بيتين، ولكن مؤلف المعجم يقول إن المستعربة سموه رباعيا لأنه مؤلف من أربعة أبيات بحساب العروض العربي؛ لأن الهزج في العربية لا يزيد على مفاعيلن أربع مرات، وفي الفارسية كل شطر فيه أربع تفعيلات، فساوى الشطر في الفارسية البيت في العربية.