تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنني لأرحب بهذه المناسبة لأنها أصلح المناسبات لتجلية النفس الإنسانية وتصحيح الموازين الأدبية والفكرية في معرض من أهم معارض البحث الحديث، وهو البحث في حدود الملكات ومصادر الأعمال والنيات، وهنا موضع الشواهد التي قلنا قبل سطور إنها تدل على السليقة لأنها تأتي - على قصد وعلى غير قصد - في نسق واحد حين ينظر الشاعر إلى جميع المنظورات، وسنورد فيما يلي بعض الشواهد على السليقة التي تربط بين التصوف وبين السياسة في أشرف معانيها، وإنها لأقرب شيء في هذه المعاني إلى مثال الصوفية والمتطهرين.

لا عجب في أن يجمع شاعر المثاني بين السليقة الصوفية وملكة السياسة؛ لأنه يدين بالصوفية التي دعته إلى الإعجاب بشعر إقبال، وما كان إقبال من متصوفة «الفناء» الذين يقولون «لا» حين يواجهون العالم أو يواجهون الوجود من ظاهره إلى خافيه، ولكنه كان من متصوفة «الثبوت» الذين يقولون «نعم نعم» لكل مظهر من مظاهر الحياة أو الوجود.

تصوف لا يهرب من غمرة الحياة؛ لأنه:

إنما يعرف التصوف في السو

ق بمال ومطمع وفتون

وتصوف لا ينكص عن المعالي، لأن المعالي إذا ملأت النفس أخرجت منها وساوس الشيطان:

املأ النفس بالمعالي وإلا

ملأتها وساوس الشيطان

ومثل هذا التصوف والعمل في ميادين السياسة لا يتناقضان، ولا سيما تصوف «السفارة» وهو من الألف إلى الياء وئام وسلام. يقول المتصوف كما يقول السياسي السفير مع الشاعر:

أمنح الناس مسمعي وحديثي

وألاقي كلامهم بكلام

وسوى ذاك في الفؤاد حديث

من وراء الأسماع والأفهام

ويقول المتصوف كما يقول السياسي السفير مع الشاعر:

قلت للنفس ساء ظني بالنا

س وشاهت وجوههم والسمات

قالت: اصقل مرآة نفسك وانظر

رب وجه تشوه المرآة

ويقول المتصوف كما يقول السياسي السفير مع الشاعر:

كم بهذا الأنام أحسنت ظنا

فنهتني عواقب التجريب

ثم عاودت فيهم حسن ظني

آملا فيهم صلاح القلوب

ويقول المتصوف كما يقول السياسي السفير مع الشاعر:

إن في النفس بغضة لأناس

أصلحنهم وحببنهم إليا

واغسل الحقد والهوى من فؤادي

واجعلني لكل حق وليا

وجماع ذلك كله قوله في ضبط النفس مفرقا به بين الحر والعبد:

قيد الحر نفسه برضاه

وأبى في الحياة قيد سواه

وترى العبد راضيا كل قيد

غير تقييد نفسه عن هواه

فهذه خصال تلتقي كلها في فضائل المصافاة والتغاضي وأخذ الناس بالحسنى وبسط المعاذير، مع ضبط النفس وتغليب الحكمة على الهوى في جميع الأحوال، وكلها من ملازمات الصوفية، وكلها كذلك من ألزم لوازم السفارة بين الأمم والآحاد.

وأحسب القارئ يحيط الآن بما عنيناه حين قلنا إن المتصوف الناقل قد يقتبس من التصوف عبارة هنا وعبارة هناك ولا ينظر بالعين «المتصوفة» إلى جميع المنظورات على هذا المنوال، وبهذه السليقة يتلاقى المتصوف والسفير أحسن لقاء.

على أن الشاعر السياسي كان سفيرا بين مصر والشرق بعلمه قبل أن يكون سفيرا لهما بعمله، وكان لدراسته الفارسية والأردية أثر في تقريب ثقافتهما يحسب من سفارات الأدب التي تعاون فيها العلم والعمل، ومن هذا التقريب الذي لم يسبق إليه: تعريفه قراء العربية بتاريخ الرباعية في الآداب الفارسية والعربية؛ فهو أوفى ما كتب بلغتنا في هذا الموضوع.

وستكون هذه المثاني صلة جديدة بين آدابنا وآداب الفرس والهنود، فإنها تجدد لنا القالب الذي أفرغت فيه طائفة مختارة من شعر هذه الأمم، وتريد عليها فضل النسبة العربية فيما استوحاه الشاعر العالم السياسي من سليقته وفطنته وخياله، وفقه الله للمزيد من هذه السفارة العليا، وأفاد بجهده المشكور أتم ما يفيد.

| مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

تفضل الكاتب الألمعي الكبير، والشاعر المبدع القدير الأستاذ عباس محمود العقاد فكتب مشكورا مقدمة لهذه المثاني.

فأقصر أنا كلمتي هذه على تاريخ نظم هذه الأبيات وعلى تسميتها.

المثاني · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المثانيص ٢