درة
قال حضرة مولانا السلطان: اترك كرزيته لابنه، لما دخل إلى جامع الأزهر، قال: سلوني ما شئتم سواء أن كان السائل عربيا أو عجميا أو تركيا أو ديلميا وأنا أغلبهم بمعونة الله تعالى. وكان مدة ثلاثة أشهر يطالع في أول كتاب البخاري ويجازف، ففي أواخر شهر رمضان سنة أربع عشر وتسعمائة عمل مجلس درس وحضر في الجامع، وكان معه من طلبة العلم الشريف من المستعدين نحو عشرين نفسا من أبناء جنسه، وأمر بإحضار جميع أولاد الروم
24
إن كان جنديا أو فقيها أو عاميا إلى غير ذلك فحضروا جميعا، فأعاد في المجلس القول وقال: أيها العلماء من جميع الدنيا سلوني ما شئتم، فبالأمر المقدر وحكم سلطان القضاء والقدر كنت جائزا من صوب الجامع الأزهر فدخلت مع الناس متفرجا فسمعته يقول: يا أولاد مصر، لا تستحيوا مني وسلوني ما شئتم؛ إن الله لا يستحيي من الحق. فشرع في تفسير الحديث الأول وهو قوله: إنما الأعمال بالنيات. وقال: إنما: حرف من أدوات الحصر، وما: ما الكافة، وإن: حرف المشبهة، يعني لا يجوز عمل من الأعمال إلا بالنية قطعا. فلما سمعت ذلك قلت: بدستور. فأذن لي في الكلام، فقلت: ما تقول السادة الحنفية في جواب هذه المسألة؛ لأنهم يقولون: إن النية ليست بفرض في الغسل والوضوء؟ قال في الجواب: يعني لا ثواب للعمل إلا بالنية. قلت: هذا عام، والعام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث؛ وهي المطابقة، والتضمن، والالتزام. فأفحم عن الجواب، ثم قلت: وما سبب عدول أبي حنيفة رحمه الله عن ظاهر هذا الحديث؟ ولأي حكمة لم يأمر بفرضية النية في الغسل والوضوء؟
الجواب:
قال: لأن الوضوء والغسل ليسا هما العمل بل وسيلة للعمل وهي الصلاة.
قلت: فما تقولون في التيمم؛ لأنه أيضا وسيلة للعمل وليست طاعة مقصودة بالذات مع أن النية في التيمم فرض عندكم؟
فأجاب بأن قال: إن التيمم طهارة ضعيفة بخلاف الوضوء.
قلت: فعلى هذا أنتم تفرضون الأشياء لا الشرع؛ لأن الفرض عندكم ما ثبت بدليل قطعي، فلا بد لكم لنية التيمم دليل قطعي من الكتاب والسنة؟
فأجاب وقال: لفظ تيمموا، يدل على النية.
قلت: تيمموا ليس بنص قطعي في نية التيمم مع أنه ورد في الوضوء:
إذا قمتم إلى الصلاة
الآية، وفسر جميع المفسرين، يعني قصدتم
25
فعلى هذا تكون النية فرضا في الوضوء عندكم. فأفحم في الجواب.
السؤال الثاني:
قلت: ذكر في شرح المفتاح: أن البلغاء لا يؤكدون الكلام إلا بحسب إنكار المخاطب، يعني أولا يطلقون الكلام بغير تأكيد، فإذا أنكر المخاطب فيؤكدون بإن، وإن أنكر فيزيدون في التأكيد باللام ثم بالقسم، مثلا يقولون: زيد قائم. فإن أنكر المخاطب فيؤكدون بإن؛ ويقولون: إن زيدا قائم. فإن أنكر فيقولون: إن زيدا لقائم. وإن أنكر فيقولون: والله إن زيدا لقائم. فعلى هذا ما حكمة قوله تعالى:
إنا أوحينا إليك
مع أن النبي
صلى الله عليه وسلم
ليس منكرا للوحي، فما وجه تأكيد الآية بقوله:
إنا .
جوابه:
فقال: تعال عندي واحضر إلى بيتي؛ حتى أكتب لك جواب هذا الكلام.
فقلت: أنا أباحث مع الحيوان الناطق لا مع الحيوان الكاتب.
فحصل بين هذه الخلائق لغط كثير وغوش عظيم وتعصبت أولاد الروم بأجمعهم، وبعثوا شخصا بطلب الخواجا
26
شمس الدين محمد بن عباد الله، وقالوا له: لئن لم تحضر وإلا هلك عالم بلادك! فحضر في الوقت والساعة فرأى هناك أمرا عظيما، فقال يا جماعة! الفاتحة، وأنا أقول: (أبقيت عندك سبع مسائل ولم تجبني عن شيء منهم، ويا ليتني كنت أعلم في أي وقت تدرس وفي المواضع تقري، وفي أي علم تقرر حتى كنت أحضر إليك بالمطالعة، ولكن جئناك على الفتح من غير قصد ولا مطالعة فلا تؤاخذوني. فقام قائما على قدميه ولمني إلى حضنه، وقال: لأي شيء ما تحضر إلى عندي وأنت أعز من ولدي؟ وكان إذ ذاك أهل الروم أرادوا هلاكي قهرا منهم وحسدا وغيرة وحمية الجاهلية، فحماني الله تعالى منهم ببركة مولانا السلطان خلد الله ملكه).