تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون .

ويجب على من فعل هذه المناكر وساعد على تقريرها ورضي بها المبادرة إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى من هذه الذنوب.

وأما ما يتعلق بالبركة المذكورة فينظر ولي الأمر في أمرها، فإن كانت هذه المفاسد تزول بطريق من الطرق؛ ومن ذلك عمل قنطرة بحيث تمنع الشخاتير

14

من الدخول إليها، فإن زال الفساد بذلك اكتفى به؛ وإن لم يزل إلا بردم البركة وتعين ذلك طريقا لدفع هذه المفاسد فعل ذلك ولي الأمر.

وأما المواضع المعدة للفساد فيزال ما فيها من المنكرات بالطريق الشرعي، فإذا ظهر ما فيها من الفساد ولم يمكن زوال تلك المفاسد المنكرة إلا بهدم تلك الأبنية هدمها ولي الأمر.

والعجب من ولاة الأمور كيف تبلغهم هذه القضايا ويسكتون، وعلى أنفسهم يلبسون، ولا التفات إلى ما به يعتذرون

والله يعلم ما تسرون وما تعلنون .

سؤال:

لما جاء تمرلنك إلى حلب جمع العلماء وسألهم: قتل منا ومنكم في الحرب قتلى في أخذ البلد، فمن الشهداء في ذلك: قتلانا، أم قتلاكم؟

الجواب:

قال جد قاضي القضاة الحنفي ابن الشحنة: أنا مجيب بما أجاب به نبينا

صلى الله عليه وسلم . (قال لي صاحبي شرف الدين الأنصاري: ما دخل في عقلي هذا الجواب؛ مع أنه رحمه الله محدث زمانه)، وألقى تمرلنك إلي سمعه وبصره، وقال: كيف سئل رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وكيف أجاب؟ قلت: جاء أعرابي إلى النبي

صلى الله عليه وسلم

فقال: يا رسول الله، إن الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل ليرى مكانه، فأينا في سبيل الله؟ فقال

صلى الله عليه وسلم : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد. فقال تمرلنك: خوب.

15 (وقال عبد الجبار: يعني ما أحسن ما قلت)، وانفتح باب المؤانسة وقال: إني رجل نصف آدمي،

16

وقد أخذت بلاد كذا وكذا، وعدد سائر ممالك العراق والعجم والهند وسائر بلاد التتار، فقلت: اجعل شكر هذه النعمة عفوك عن هذه الأمة ولا تقتل أحدا. فقال: والله إني لم أقتل أحدا قصدا، وإنما أنتم قتلتم أنفسكم في الأبواب، والله لا أقتل أحدا، وأنتم آمنون على أنفسكم وأموالكم.

سؤال:

قال تمرلنك: ما تقولون في علي بي أبن طالب ومعاوية ويزيد؟

الجواب:

قال القاضي علم الدين القفسي: إن الكل مجتهدون. فغضب لذلك غضبا شديدا وقال: قل علي رضي الله عنه على الحق، ومعاوية ظالم، ويزيد فاسق، وأنتم حلبيون تبع لأهل دمشق، وهم يزيديون قتلوا الحسين. فأخذت في ملاطفته والاعتذار عن المالكي.

فأعاد السؤال عن علي رضي الله عنه ومعاوية، فقلت له: لا شك أن الحق مع علي في نوبته، وليس معاوية من الخلفاء؛ لأنه ورد: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة.» وقد تمت الخلافة بعلي رضي الله عنه.

فقال تمرلنك: قل علي على الحق ومعاوية ظالم.

قلت: قال صاحب الهداية: يجوز تقلد القضاء من ولاة الجور، فإن كثيرا من الصحابة والتابعين تقلدوا القضاء من معاوية وكان الحق مع علي في نوبته.

فلما سمع هذا الجواب حصل بشاش كبير.

جوهرة

17

لما خرج تمرلنك من حلب توجه إلى نحو الشام فطلب أكابر العلماء وقال: أريد الفتوى منكم في قتل نائب دمشق الذي قتل رسولي. وأحضروا عدة رءوس القتلى حتى يبعثوا بها إلى نائب دمشق، فقلت هذه رءوس المسلمين تقطع وتحضر إليك بغير استفتاء مع أنك حلفت أنك لا تقتل أحدا صبرا؟ فقال: هذه رءوس القتلى، ولا قطعنا رءوس المسلمين.

سؤال:

سأل قرقد بك في المولد الشريف بحضرة المقام الشريف: هل الإيمان يزيد وينقص، أم لا؟

الجواب:

قال حضرة مولانا السلطان: عند الشافعي يزيد وينقص، وأنكره أبو حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء كإمام الحرمين؛ لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان، ولا يتصور فيه الزيادة والنقصان، وإنما يتفاوت إذا دخل فيه الطاعات، ولهذا قال الإمام الرازي: إن الخلاف فرع لتفسير الإيمان.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجري · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجريص ٦٠