تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد؛ فإن خير المجالس ما جليت فيه عرائس النفائس، وتليت فيه آيات القرآن العظيم، ورويت فيه أخبار النبي الكريم، وذكرت فيه المعارف الدينية، والعوارف اليقينية، والرقائق الأدبية، والدقائق العربية، ومما هو مختص بذلك، وشاع ذكره في الممالك، مجلس يفخر على سائر المجالس، ويزهو بأجلى حلل الملابس، مجلس سلطان الإسلام، وزمام الأنام، وحامي الزمام، مجلس قد سما وتشرف، حين حله الملك الأشرف.

قد كسى منه بهجة وجمالا

وعلوا بين الورى وكمالا

وسما وارتقى وحل محلا

من يرم مثله يروم محالا

كم فيه من مسائل لطيفة، وأبحاث شريفة، يطرحها الإمام على الأقوام؛ ليختبر ما عندهم من الأحكام؛ اقتداء بخير الأنام. كم فاضل ناظره وجادله، وسائل أفاده وجاد له، ملك فاق ملوك الآفاق، وحاز في حلبة الفضائل قصب السباق، غواص على استخراج المعاني الدقيقة، فحاص عن معرفة المجاز من الحقيقة، قريب من رعيته، ناظر إليهم ببصره وبصيرته، كثير السؤال عن أخبارهم؛ لينظر في مصالح كبارهم وصغارهم، قائم في عمارة البلاد، عازم على نصرة الدين وآمر بالجهاد.

بلغه الله آماله، وختم بالصالحات أعماله.

هذا؛ ومما صدر بين يديه، وكان هو المعول فيه عليه، حين ذكر لفظ المحال، ما وقع عنه حينئذ السؤال: هل له أصل في كلام العرب منقول، أو هو مما اصطلح عليه أهل الأصول؟

وحاصل ما ظهر في الجواب، بفضل الكريم الوهاب، أن له أصلا مأخوذا هو منه، وإن كان قد نقل في اصطلاح آخر عنه؛ إذ لا ريب أنه في الأصل اسم مفعول من أحال أو من الإحالة على اختلاف القولين، من أهل المصرين،

9

ويرادفه المستحيل، وهو ما استحال من الاستقامة إلى الاعوجاج، فالمحال والمستحيل ما ليس بمستقيم على ما يؤخذ من كلام الجوهري، ولا ينافيه تفسير القاموس له بما عدل عن وجهه، ثم استعمله الأصوليون في الممتنع عقلا وعادة كالجمع بين السواد والبياض، أو عادة لا عقلا كالمشي من الزمن والطيران من الإنسان حقيقة عرفية خاصة ومجازا لغويا، وكذلك استعمله الفقهاء في تعليق الطلاق وزادوا على الأصوليين المستحيل شرعا كنسخ صوم رمضان، وأبقوه على حقيقته في نقل الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه إلى المحال، فسموا المحال بدينه على آخر محالا، وقد جمع ابن بنت الأعز بين الأمرين مع التجوز على ما لا يخفى فقال:

ومن رام في الدنيا حياة خلية

من الهم والأكدار رام محالا

وهاتيك دعوى قد تركت دليلها

على كل أبناء الزمان محالا

اللهم زد سلطاننا علما وفهما وتواضعا وحلما وإيمانا وتصديقا وتوفيقا وتحقيقا، واجعل أعلام عزه مرفوعة، ورايات أعدائه مخفوضة وموضوعة، ومتع المسلمين بدوامه، وبارك اللهم في لياليه وأيامه، وأسبغ عليه نعمك الوافرة، واجعله من سعداء الدار الآخرة.

جوهرة

قال حضرة مولانا السلطان: جماعة من العلماء جاءوا إلى خدمتي ومعهم قصة وفي عنوانها مكتوب:

والله الغني وأنتم الفقراء ، فقلت في جوابهم: فإذا عرفتم ذلك فلماذا تركتم الغني وطلبتم من الفقير، بل المناسب أن تكتبوا على قصتكم: «إن أعطيتم فالإعطاء من الله، والأمر مسوق إليك، وإن منعت فالمنع من الله والعتب عليك.» قال عز نصره: رأيت هذه العبارة مكتوبة على حائط فحفظتها.

سؤال:

قال قرقد بك بن أبي يزيد خان لما رأى مصحفا بخط عثمان بن عفان، وفيه أثر دمه رضي الله عنه، قال: لا شك أن الدم في الشرع نجس، فكيف تركتم هذا الدم في المصحف الشريف ولم تغسلوه؟!

الجواب:

قال حضرة مولانا السلطان: هذا المصحف إمام لمصاحف الدنيا، ورسم الخط العثماني سند على العلماء والفقهاء والقراء، ولو غسلناه لفات هذا المقصود، فارتكبنا أمرا يسيرا حتى لا يفوتنا هذا الخير الكثير، والحال أن القليل من الدم معفو عنه، وفي بعض المذاهب جواز أكثر من الدرهم.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجري · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجالس السلطان الغوري: صفحات من تاريخ مصر في القرن العاشر الهجريص ٥٤