وممن ذهب إلى القول بخلق الإيمان من أهل النظر حارث المحاسبي، وجعفر بن حرب، وعبد الله بن كلاب وطوائف أخر.
وذكر القول بقدمه الإمام أحمد بن حنبل وجماعة من أهل الحديث معتبرة، ومال إليه الإمام الأشعري، وكل قال بحسب ما فسره.
فمن ظن أن بين هذه الأمة تكفيرا ضل ضلالا بعيدا، ولا يجد له على مقالته معينا.
معاذ الله أن يكون من المرجع في الدين إليهم يكفر بعضهم بعضا، ذلك اجتراء وافتراء عليهم.
فالأئمة منحهم الله علم الباطن والظاهر معا، ولسهولة الظاهر كان الكل فيه لهم تبعا.
وإنما سهل عندهم أمره ما في القضاء والإفتاء من محبة الأمرة، هلا قلدوا أبا حنيفة في ورعه وهجره وسنه، وفي إحياء الليل كان يصلي الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة.
علت هممهم فنالوا الولاية الأخروية، فهم أبعد الناس من ملاحظة ولاية دنيوية، وهذا شأن بقية الأئمة في المراقبة، والتدقيق في قمع النفس والمحاسبة.
سؤال:
قال حضرة مولانا السلطان: الإيمان الذي هو التصديق؛ هل هو نظري يحتاج إلى فكر، أو بديهي أي لا يحتاج إلى نظر وكسب؟
الجواب:
قال أقضى قضاة العالم، شيخ الإسلام في العرب والعجم، قدوة أئمة المحققين، قبلة العلماء في العالمين، الشيخ كمال الملة والشريعة والحقيقة والتقوى والفتوى والدين، محمد القادري أدام الله أيامه:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد؛ فهذه مسألة لطيفة، ذكرت في الحضرة الشريفة، حضرة مولانا الإمام الأعظم، والهمام المعظم، من فاق ملوك الزمان بعلمه، وفضلهم بجودة فكره ودقة فهمه، إن ذكرت لديه المشكلات بادر إلى حلها، وإن عرضت عليه المعضلات أوضحها لأهلها، كم من فائدة جليلة يفيدها، ونكتة بديعة يبديها ويعيدها، مجالسه بأرباب الفضائل مشحونة، ومجالسه لا يرضى أحدا دونه.
اللهم زده من لدنك علما، وتوفيقا وحلما، وأدم به نفع العباد، وأصلح بوجوده فساد البلاد، آمين يا رب العالمين.
الإيمان عند بعض المشايخ كسبي يثبت باختيار المصدق؛ ولهذا يثاب عليه، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين، واستشكل بأن التصديق أحد قسمي العلم، والعلم من جملة الكيفيات النفسانية دون الأفعال الاختيارية، فلا يصح تفسيره بالفعل الاختياري في قولهم: التصديق أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر. وقول بعض المشايخ: التصديق عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر أنها تعم تحصيل تلك الكيفية، يكون بالاختيار في مباشرة الأسباب في صرف النظر، ورفع الموانع ونحو ذلك.
وبهذا الاعتبار يقع التكليف بالإيمان؛ إذ التكليف إنما يكون بالأمر الاختياري، والكيفيات النفسية ليست أمورا اختيارية ، فالتكليف بها معناه التكليف بمباشرة أسباب حصولها، وكان هذا المراد بكونه كسبيا اختياريا، ولو كان الإيمان من الأفعال لما صح الاتصاف به حقيقة إلا آن المباشرة والتحصيل؛ لأن هذا النوع من العرض لا يبقى عند الحكماء بخلاف الكيف.
ولا يخفى أنه لا يشترط أن تكون تلك الكيفية حاصلة دائما بالفعل، بل الشرع اعتبر وجودها دائما ما لم يحصل ما ينافيها سواء حصلت الغفلة بنوم أو غيره، على أن شارح المقاصد يميل إلى بقاء العرض من القطع بأن إيماننا الآن هو إيماننا من قبل بعينه.
فإن قيل: أطفال المؤمنين مؤمنون مع عدم التصديق؟
الجواب:
أن الحاصل لهم إيمان حكمي لا حقيقي. والله يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
سؤال:
قال حضرة مولانا السلطان: إطلاق لفظ المحال على الممتنع؛ هل هو على الحقيقة أو على المجاز؟
الجواب:
قال أقضى القضاة أعني العالم الرباني الشافعي الثاني: نحمدك على كل حال يا شديد المحال، ونشكرك يا ذا الإفضال على عدم تكليفنا بالمحال، ونصلي على نبيك محمد الهادي من الضلال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.