وغلط الشيخ تاج الدين الفزاري فقال: إن حكم الفيء والغنيمة راجع إلى رأي الإمام، يفعل فيه ما يراه مصلحة وصنف في ذلك كراسة وسماها: (الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة).
وانتدب له الشيخ النواوي فرد عليه في كراسة أجاد فيها. والصواب معه، وقد بين غزوات النبي
صلى الله عليه وسلم
وسراياه كلها مما حصل فيه غنيمة أو فيء قسم وخمس على ما دل عليه كتاب الله.
وكذلك غنائم بدر وإن كانت قد جعلها لله ولرسوله بقوله:
قل الأنفال لله والرسول
وقسمها
صلى الله عليه وسلم
وأعطى منه سبعة أو ثمانية لم يحضروا الواقعة؛ لأنها كانت له.
قيل: إنما أعطاهم من نصيبه.
وقال الشافعي: إن الأول هو الرواية الظاهرة عنده، ونزل بعد ذلك قوله تعالى:
واعلموا أنما غنمتم
الآية، فما أعطى النبي
صلى الله عليه وسلم
بعد ذلك أحدا لم يشهد الوقعة بينهم من أربعة أخماس الغنائم، ولا أخرج الخمس عن أهله، ومن تتبع السير وجد ذلك فيها مفصلا.
ولو قال الإمام: من أخذ شيئا فهو له، لم يصح القسم.
الثاني:
أن ينجلي الكفار عنها من غير إيجاف من المسلمين أو يموت عنها من لا وارث له من أهل الذمة وما أشبه ذلك، فهذه يصرف لأهله الذين ذكرهم الله في سورة الحشر، والخمس منه لأهل الخمس، والأربعة الأخماس للشافعي فيها اليوم قولان، أصحهما أنهما للمقاتلة والثاني أنها للمصالح.
فالجارية التي توجد من الفيء على هذا الحكم؛ فكل جارية علم أنها من الغنيمة، أو من الفيء، أو من المتولي عليهم، أو الوكيل عنهم، أو ممن انتقل الملك إليه من جهتهم، ولو بقي فيها قيراط لا يحل تملكه ممن هو له.
والقسم الثالث:
أن يروح واحد أو اثنان بإذن الإمام، فما حصل لهما من الغنيمة يختصان بأربعة أخماسه، ويأخذ أهل الخمس الباقي.
هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء، فلا فرق بين أن تكون السرية قليلة أو كثيرة؛ لأن النبي
صلى الله عليه وسلم
بعث ابن أنيس سرية وحده، وبعث عمرو بن أمية الضمري مع أنصاري سرية وحدهما.
وبوب الشافعي على ذلك في الأم: «الرجل يغنم وحده».
وذكره الأصحاب الشيخ أبو حامد والمحاملي والماوردي والجرجاني والروياني وغيرهم.
القسم الرابع:
أن يغزو واحد أو اثنان أو أكثر بغير إذن الإمام، فالحكم كذلك عندنا وعند الجمهور فيما يتعلق بالغنيمة وإن كان الغزو بغير إذن الإمام مكروها.
الخامس: (أن يدخل الواحد) أو الاثنان أو نحوهما ليسوا على صورة الغزاة بل المتلصصين. وقد ذكر الأصحاب إذا دخلوا يخمس ما أخذوه على الصحيح وعللوه بأنهم غرروا بأنفسهم وكان كالقتال.
وهذا التعليل يقتضي أنه لم يقطع في الجملة عن الغزو؛ والإمام في موضع حكى هذا وضعفه وقال: إن المشهور عدم التخميس. وفي موضع ادعى إجماع الأصحاب على أنه يختص به ولا يخمس، وجعل مال الكفار على ثلاثة أقسام: غنيمة وفيء وغيرهما كالسرقة فيملكه من أخذه؛ قياسا على المباحات، فوافقه الغزالي على ذلك وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال البغوي: إن الواحد إذا أخذ من حربي شيئا على جهة السوم فجحده أو هرب به اختص به.
فيما قاله نظر: يحتمل أن يقال: يجب رده؛ لأنه كان ائتمنه، فإن صح ما قاله البغوي وافق الغزالي بطريق.
قال أبو إسحاق: إن المأخوذ على جهة الاختلاس فيء.
وقال الماوردي: إنه غنيمة، وما قاله الماوردي موافق لكلام الأكثرين، وما قال أبو إسحاق: إن أراد بالفيء الغنيمة حصل الوفاق وإلا فلا، وإن زعم أنه تبرع من المختلس ويعطي خمسه لغيره من المقاتلة وأهل الخمس فبعيد.
ورأيت في كتب المالكية من العتيقة عن ابن القاسم في عبد لمسلم أبق من سيده، فدخل بلاد العدو وخرج طائعا بأموال أنها كلها له ولسيده ولا يخمس، وفي عبد دخل قرية من قرى العدو متلصصا فأخذ مالا يخمس.
فقيل له: ما الفرق؟ فقال: إن الذي أبق لم يدخل ليصيب مالا ولا خرج ليقاتل، فلذلك لم أخمس ما أخذه بخلاف المتلصص، وهذا فرق حسن لو قيل بأن من لم يكن على صورة الغزو ولا قصده إليه يختص بما أخذه، ومن كان كذلك يخمس ما أخذه كان له وجه، ولكن قوة كلام الشافعي وجمهور أصحابنا يأباه، ويجعلون مال الكفار كله قسمين: إما فيئا وإما غنيمة، ولا ثالث لهما إلا على ما قاله الإمام الغزالي، وهو وجه لبعض أصحابنا.