طلعت يوم الخميس حادي عشر جمادى الأولى وقعدوا ستة عشر درجة في الأشرفية، والإمام كان الشيخ كمال الدين البرقوقي.
قال حضرة مولانا السلطان: إيش الخبر في المدينة؟ قال المؤذنون يدعو لكم جميع من في البلد.
قال مولانا السلطان: وما سبب الدعاء؟ فخافوا إظهار سببه لئلا يغتاظ السلطان.
قال سيدي إسماعيل: لأجل رواح الحج. قال: السلطان كل سنة يروح الحج.
ثم ذكر مولانا السلطان: أريد أن أبعث هذه المراكب مع العسكر إلى مكة وأبني قلعة في جدة وقلعة في ينبع.
قلت: أهل البلد يدعون لمولانا السلطان لأجل هذا.
ثم سأل مولانا السلطان: هل بطل الحج في الزمان القديم أم لا؟
فقيل: مذكور في تاريخ الملك الظاهر بيبرس أن مدة عشر سنين بعد قتل خليفة بغداد بطل الحج، ومهما بعث الملك الظاهر القفل يأخذه العرب، بعد هذا بعث ألف مملوك مع الكسوة، وفي هذه السنة أيضا بعث هلاكوخان كسوة مكة مع عشرة آلاف طاطر
9
من عسكره، فألبسوا كسوة الملك الظاهر تحت وكسوة هلاكو فوق، فاتفق الططار مع أمير مكة أن ينهبوا قافلة الحج المصري؛ لما عرف أمير المحمل اتفاقهم راح نصف الليل وقتل أمير الطاطر في خيمته، فركب أمير مكة مع بقيتهم وفعل بالمسلمين ما فعل، ثم بعث أمير المحمل إلى أمير مكة مكتوبا مضمونه: العجب أنتم تساعدون الكفار! ثم قال أمير مكة: رح فهات سلطانك حتى تنتقم منا بشرط أن يركب عسكره الخيل البلق، ونهب القفل، ثم جاء أمير المحمل وذكر القصة التي وقعت من أولها إلى آخرها عند الملك الظاهر، فأمر بجمع الخيول البلق من البلاد فوجدوا سبعة آلاف فركب عليهم سبعة آلاف من الفرسان الشجعان، وبعث في السنة الثانية إلى الحج، ففي عاشر شهر ذي الحجة جاء الخبر أن هلاكوخان بعث ثلاثين ألفا إلى مكة في هذه السنة، فركب الملك الظاهر بنفسه مع هجين ووصل إلى مكة بعشرين يوما، ولما التقى الجمعان وقع بينهما قتال عظيم وركب مع الطاطر نائب مكة، وكان في الآخر الظفر مع الملك الظاهر، وقتل أمير مكة ونهب عسكر الططر، فرأى الملك الظاهر شيخا شريفا يبارز مع هؤلاء، فسأل الملك الظاهر هذا الشريف: من أنت؟ فقال: أنا رجل شريف ظهر عندي عدم حقية أمير مكة لأجل مساعدة الكفار فأغزيت فيهم. فأعجب الملك الظاهر كلامه وألبسه خلعة النيابة، وكان اسمه الشريف عجلان، وهو جد الشرفاء الآن.
10
المناسب لهذا المجلس
أنه قال كسرى: إذا أراد الملك أن يستخدم عاملا في شيء فالواجب أن يحقق أخلاقه وصبره وتدبيره لنفسه ومنزله، فإن كان حسن الخلق شديد السياسة صابرا على المشاق فليستخدمه، وإن كان ضد ذلك فليحذر منه.
الخاتمة
قال النبي
صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. (5) من المجلس السابع
طلعت يوم الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى، وقعدوا في الأشرفية خمسا وعشرين درجة، والإمام كان الشيخ محب الدين المكي، ووقع فيه لغزان ومسائل إلخ:
المناسب لهذا المجلس
أنه سئل إسكندر: أي سلطان أطهر السلاطين؟ فقال: الذي أمن في ظل عدله الطاهرون، وخاف منه المذنبون.
الخاتمة
قال النبي
صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أحد في بلد ليس فيها سلطان فلا تقعدوا فيه جزافا.
قال أم أبو الحسن:
11
لكل عضو موكل به ملك.
قال مولانا السلطان: أي ملك موكل بالبطن؟
حادثة
جاء خبر ضعف الشيخ جلال الدين السيوطي، فقرأ مولانا السلطان سورة الفاتحة ثلاث مرات لأجله، وتوفي في الجمعة. (6) من المجلس الثامن
طلعت يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى، وقعدوا في الأشرفية خمسا وخمسين درجة، والإمام كان الشيخ عبد الرزاق، وحضرة مولانا السلطان مدح السعتر في تلك الليلة كثيرا ووقع فيه مسائل إلخ.
المناسب لهذا المجلس
قيل: لما قرب موت إسكندر كتب إلى أمه من بلاد الططر: أما بعد؛ يا أمي، اتركي سنة النساء من البكاء والجزع، كما تركت سنة الرجال من القبائح والبدع. والمقصود من هذا الكتاب ألا تحزني ولا تبكي لأجلي ولا تخالفي قولي، وقد علمت أن الموضع الذي أروح إليه خير من الموضع الذي أنا فيه، يا أمي اطهري واستعدي لاتباعي؛ فقد انقطع بالموت من الدنيا ذكري بالرأي والتدبير، فتحيي ذكري بأن تصبري وترضي بالتقدير، فلا تعملي بي إلا ما أحبه؛ لأن علامة المحب أن يعمل بما يحب حبيبه، ويدع ما يكرهه. يا أمي، بعض الناس يدلك إلى المصيبة؛ ليعرف طاعتك من المعصية، ويجرب قبولك قولي من الخلاف، يا أمي، في وقت هذه البلايا كان فكري مشغولا بأحوال الرعايا، واعلمي أن الخلائق تحت الكون والفساد من الابتداء إلى الانتهاء، والإنسان بعد انتهائه لا بد أن يرجع إلى مقامه الأصلي، فاعتبري يا أم بمن مضى من القرون الماضية والأمم السالفة، فانظري إلى أبنيتهم العالية، ومساكنهم الخالية، واعلمي يا أمي أن ابنك ما رضي أن يكون مثل الملوك الصغار، فالواجب أن تكون أعمالك مثل أمهات الملوك الكبار، وليكن صبرك بقدر قدرك، واعلمي أن كل شيء أوله صغير ثم يكبر، إلا المصيبة فإن أولها كبير ثم تصغر، يا أم، ارضي بالتقدير، وخليني للعليم القدير.