وكل هذه الأوصاف والمناقب بما قرن به من محبة العلم والعلماء، والتفتيش عما وضعته الحكماء في كل نوع من العلوم، لو يقول البشر في وصف هذا المظهر:
1
إنه هو سلطان العلماء والمحققين، ما هو كذب في حقه، أو يقول في مدحه: إنه هو سلطان العارفين، ما هو عيب في وصفه. قال أنوشروان: إذا أراد الله بأمة خيرا؛ جعل العلم في ملوكها، والملك في علمائها. وسميته: بنفائس المجالس السلطانية، في حقائق الأسرار القرآنية.
وهو مشتمل على مقدمة وعشر روضات، فينبغي لفوائد المجالس السلطانية، وفرائد نفائس النكات القرآنية؛ أن تكتب بالتبر، لا بالحبر؛ لأنها مشتملة على أسرار الآيات، ومتضمنة الحكايات، ومندرج فيها الآثار النبوية، ومذكور فيها أسرار العربية.
| المقدمة في كلام السلاطين ذوي الاقتدار في فضل العلم
سئل إسكندر: أي رجل يصلح أن يكون ملكا؟
قال: إما حكيم ملك الحكمة، أو ملك طالب الحكمة.
قال فغفور الصين: الجهل مصيبة لا يؤجر عليها صاحبها.
قال قيصر الروم: كل قبيح في الدنيا الجهل به أقبح منه.
قال فور الهند: قرائن الأحوال تدل على حقيقة الحال.
قال كيخسرو: حسن الذكر ثمرة العمر.
قال بهرام كور: إنا نجمع الرجال، لا الأموال، وندخر الذكر، لا الوفر، ونذاكر العلوم، لا الرسوم.
قال بطليموس الملك: العقول مواهب، والعلوم مكاسب.
قال أردشير بابكان الملك: العلم عمود الدين، والدين أس الملك، والملك حارس الدين، فما لا أساس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع.
قال منوجهر الملك: علم الرفق مصباح النجاح.
قال كسرى قباذ: ينبغي أن يكون الملك صاحب العلم والفراسة كالأسد حوله الفرائس، لا كالفريسة حوله الأسد.
قال خان ملك الترك: إضمار الغضب على من هو فوقك مهلك.
قال يزدجرد شهريار الملك: أطع من هو فوقك يطعك من هو دونك.
قال محمود الغزنوي: العلم طبيب الدين والمال دواؤه.
ونختم هذا بقول خاتم السلاطين، أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، الملك الأشرف قانصوه الغوري عز نصره: ما في الدنيا أحسن من الأدب؛ لأنه يزين الأغنياء، ويستر فقر الفقراء.
وقال أيضا: إذا اتفق جماعة على شيء وإن كان كذبا فلا تخالفوهم.
وقال أيضا: لو كان الاجتماع بأبي حنيفة ممكنا لسألت عن حكمة كراهية قراءة المأموم خلف الإمام.
ولو كان الاجتماع بالشافعي ممكنا لسألته عن حكمة جواز الوضوء من قلتين مع أنه يتغير بأدنى تغير، لو أنت تبعت في هذه المسألة مذهب أبي حنيفة لكان أحسن.
| الروضة الأولى في مجالس رمضان
(1) المجلس الأول
طلعت يوم الخميس ثالث عشرين رمضان المبارك في تاريخ ستة عشر وتسعمائة، وكان في خدمته ناصح الملوك والسلاطين، الشيخ حسين جلبي، وكان الإمام في تلك الليلة الشيخ شمس الدين السمديسي؛ وقعدوا في الأشرفية ستين درجة، ووقع في تلك الليلة أسئلة:
السؤال الأول:
قال حضرة مولانا السلطان: الصلاة من الله تعالى رحمة، ومن المؤمنين الدعاء، فمعنى: اللهم صل على محمد؛ أي: ارحم محمدا، فكيف يجوز لنا أن نسأل له الرحمة مع أنه
صلى الله عليه وسلم
رحمة للعاملين؟ لا بد أن تكون مرتبة السائل أعظم من المسئول له؟
عجزوا عن الجواب، ثم قرأنا الفاتحة.
قال حضرة مولانا السلطان: إنا نسأل الدعاء في الحقيقة لأجل أنفسنا، ولا شك أن النبي
صلى الله عليه وسلم
ما هو محتاج إلى صلاتنا عليه، والمقصود من صلاتنا عليه طلب زيادة قدر النبي
صلى الله عليه وسلم ، وطلب زيادة قدر النبي
صلى الله عليه وسلم
مستلزم لزيادة قدر أمته، كما ورد الأحاديث في فضيلة الصلاة عليه.
قال الشيخ برهان الدين بن أبي شريف، والشيخ جلال الدين السيوطي: هذا الجواب في غاية الحسن.
السؤال الثاني:
قلت: ما السر في أن الدعاء في جميع الشرائع لا يقبل إلا بالصلاة على نبينا، وفي الشرائع الأخر إجابة الدعاء ما هو موقوف على الصلاة على أنبيائهم، بل بمجرد الصلاة على نبينا يقبل دعاؤهم، كآدم عليه السلام ما استجيبت توبته إلا بعد الصلاة على محمد، وكذلك يوسف عليه السلام ما تخلص من السجن إلا بعد الصلاة على نبينا؟