39
بل نجد في الكتاب بحثا صريحا في نيابة الغوري عن الخليفة العباسي، وهل هذه النيابة لازمة لصحة أحكامه في الأمور الشرعية، ويشتد الخلاف بين المؤلف وأحد العلماء في هذه المسألة، فيحقر المؤلف الخليفة ويعظم السلطان، ثم يذهب يستفتي العلماء ويأخذ خطوطهم بأن نيابة السلطان عن الخليفة غير لازمة.
40
ويرى القارئ أحيانا اهتمام السلطان بتعليم المماليك وإحضارهم من حين إلى آخر إلى مجلسه، ليقرءوا أمامه ويمتحنهم.
41
هكذا يجد القارئ في الكتاب مسائل مهمة لا يظفر بها في كتب التاريخ، ويرى صورا من آراء السلطان وعلماء عصره، ويتبين مقدار اطلاعهم ومدى تفكيرهم. (2)
والكتاب الثاني اسمه الكوكب الدري في مسائل الغوري : وهو يحتوي على ألفي مسألة وأجوبتها من المسائل التي وقع البحث فيها في مجالس السلطان الغوري أيضا، ولدينا الجزء الأول من الكتاب وفيه ألف مسألة في 338 صفحة، والنسخة مكتوبة في عهد الغوري، ويظهر أنها نسخة المؤلف، وعليها خطوط ثلاثة من علماء وقته المعروفين يشهدون بأنهم اطلعوا على الكتاب، منهم عبد البر بن الشحنة قاضي قضاة الحنفية، وبعض هذه الخطوط مؤرخ بالسنة التي تم فيها كتابة هذا الجزء.
ويقول المؤلف في آخر الكتاب: «وكان الفراغ منه في مستهل شهر ربيع الآخر سنة تسع عشر وتسعمائة.»
الصفحة الأولى من كتاب نفائس المجالس.
وفي مقدمة هذا الكتاب شبه بمقدمة الكتاب الأول، وبعض عباراتهما واحدة، وبين تاريخهما زهاء عشر سنين.
وفي الكتابين مسائل مشتركة مثل سؤال نكاح الشبهة، والإكراه على سب النبي.
42
الصفحة الثانية من كتاب نفائس المجالس.
وهذا الكتاب ليس مقسما على المجالس كالكتاب السابق، بل المسائل فيه متتابعة بغير فصل، والمطلع على الكتاب يرى صورا من أفكار علماء مصر وأمرائها في ذلك العصر؛ يرى إلى المسائل الدينية - وهي معظم الكتاب - مسائل تاريخية، وجغرافية، ويرى انتقال الحديث من تفسير آية أو حديث إلى السؤال عمن بنى الأهرام، أو عن زرقة السماء،
43
أو السؤال عن كيومرث أول ملوك الشاهنامة أكان قبل نوح أو بعده،
44
أو عن شهر المحرم لماذا جعل أول التاريخ الهجري، أو هل الأرض أفضل أم السماء؟! ويجد القارئ في الحين بعد الحين فكاهة من السلطان أو نادرة، ويعرض في المجالس ذكر الملوك المعاصرين والأمراء الذين وفدوا على السلطان كأبناء بايزيد وسليم، ويرى بعض المسائل الدينية التي سألها هؤلاء الأمراء وجواب السلطان أو بعض علمائه.
لا ريب أن هذا الكتاب، على تفاهة معظم المسائل التي يدور عليها البحث، يصور بعض النواحي الفكرية والاجتماعية في مصر والعالم الإسلامي في ذلك العصر.
| كتاب نفائس مجالس السلطانية في حقائق أسرار القرآنية
بسم الله الرحمن الرحيم
اغفر ذنوبنا يا سلطان السلاطين، واستر عيوبنا يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، نرجو رحمتك يا أرحم الراحمين ، ونخشى عذابك يا أحكم الحاكمين، توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين.
والصلاة والتسليم على شفيع المذنبين، وسلطان الأنبياء والمرسلين، الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد؛ فإني لما تشرفت في خدمة أشرف الملوك وأعظم السلاطين، ظل الله في الأرضين، ناظر أربع حرم رب العالمين، سلطان العرب والعجم، صاحب البند والعلم، حافظ بلاد الله، ناصر عباد الله، أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، ملك الأشرف عزيز مصر، أبي النصر، قانصوه الغوري، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، ولازمت بابه الشريف، مدة عشرة أشهر، جمعت درر فوائده في سمط العبارة، ونظمت جواهر زواهره في خيط الكتابة؛ لأن بابه الكريم مجمع الأفاضل، وجنابه العظيم بحر الفضائل والفواضل، هذا مع ما خصه الله تعالى من الفضائل النفيسة، والمناقب الشريفة اللطيفة، أعطاه من الفهم أوفره، ومن الذهن أغزره، ومن الحلم أشرفه، ومن العلم ألطفه، ومن الرتب أقواها، ومن الملك أعلاه، ومن الشجاعة أبلغها، ومن السخاوة أعظمها، كل هذه الصفات خصه الله تعالى بمجموعها، ولهذا ارتقى إلى الذروة (العالي، التي كانت نهاية درجات الأفاضل الأهالي)، وفضل هذا السلطان على سلاطين الدنيا، كفضل سلاطين الدنيا على الرعايا.