ثم ينتقل إلى وصف عمارات السلطان وصفا مفصلا، فيعدد تسعا منها.
والخلاصة أن في مقدمة الكتاب وخاتمته ما يكشف عن بعض تاريخ الغوري، ولا سيما الجانب الأدبي منه، ويبين طرفا من تاريخ مصر، بعد حساب المبالغات الشعرية. (18) مجالس السلطان الغوري
يقول الشريفي، ناظم الشاهنامة باللغة التركية، في مقدمة الكتاب:
شها خوش مجلسك وار جنت آرا
أو مجلسده قمونسنه مهيا
حقيقتده علومك منبعي در
دكل شك أول أفاضل مجمعي در
أو مجلسده أولر مشكل لر آسان
نه مجلس كم أودر باغ وكلستان
أقينر أنده هر دلجه عبارت
أولر قانونله رمز وإشارت ... «ما أجمل مجلسك أيها السلطان، إنه يشبه الجنة، كل شيء مهيأ في هذا المجلس، إنه في الحقيقة منبع العلوم، ومجمع الأفاضل بلا ريب، مجلس تيسر فيه المشاكل، أي مجلس هذا؟ إنه حديقة وبستان، تقال فيها العبارات بكل اللغات، وتسير على قانونه الرموز والإشارات.»
كان للسلطان مجالس تجمع العلماء والكبراء، وتطرح فيها للبحث مسائل شتى.
وقد سجلت كثيرا من مسائل هذه المجالس في كتابين يصوران تصويرا حسنا كثيرا من أحوال مصر في عهد السلطان الغوري: (1)
كتاب نفائس المجالس السلطانية، في حقائق الأسرار القرآنية: ألفه حسين بن محمد الحسيني، وهو شريف كما يؤخذ من اسمه ومن عبارات في ثنايا الكتاب، ويظهر أنه ساح في إيران والبلاد الشرقية، وهو يعرف التركية فقد نظم بيتين بالتركية في رثاء ابن السلطان الغوري، وروى من شعر حسين بيقرا.
37
وفد على مصر فأقام عشرة أشهر شهد فيها مجالس السلطان الغوري، وجمع في كتابه هذا بعض المباحث التي كان السلطان والعلماء يتكلمون فيها.
والعجمة ظاهرة في كتابته حتى اسم الكتاب؛ فقد سماه «نفايس مجالس السلطانية في حقائق أسرار القرآنية»، فحذف اللام من المجالس والأسرار.
والنسخة التي بأيدينا هي النسخة التي كتبت للسلطان وأهديت إليه.
وقد جعل المؤلف كتابه في مقدمة وعشر روضات، والمقدمة قصيرة تتضمن كلام بعض السلاطين ومنهم الغوري، والروضات العشر يذكر في كل واحدة منها مجالس السلطان في شهر، وكانت المجالس تجتمع في كل أسبوع مرة أو اثنتين أو ثلاثا.
وأولها مجالس رمضان سنة عشر وتسعمائة، وأول مجلس منها يوم الخميس الثالث والعشرين من الشهر، وآخرها مجالس رجب، فهي عشر روضات في أحد عشر شهرا؛ لأن السلطان لم يجلس في شهر ذي القعدة؛ لوفاة ولده محمد.
والمؤلف يصف كل مجلس وتاريخه ومدته، ويذكر الإمام الذي يحضر المجلس وكبار الحاضرين، ثم يذكر المسائل التي طرحت للبحث في المجلس.
يبدأ السلطان أكثر الأحيان بسؤال يجيب عنه أحد الحاضرين فيرتضي السلطان جوابه أو يناقشه، وأحيانا يبدأ أحد الحاضرين الكلام، وأكثر المسائل دينية وبعضها تاريخية ومنها ألغاز في موضوعات شتى، وقصص عن الملوك وغيرهم.
وأحيانا يصف محافل السلطان، يصف، مثلا، إحياء السلطان المولد النبوي، ويذكر طوائف الناس الذين اجتمعوا، وما فعلوا في هذا المحفل، ويبين كيف جلس السلطان ليلا، وكيف يتقدم إليه كبار الدولة وينشد كل منهم شعرا في مدحه، وكيف يقابلهم السلطان، وقد ذكر أن الخليفة يعقوب المستمسك بالله خليفة مصر تقدم «وباس الأرض كفرض العين وعين الفرض»، وأنشده:
إن الخلافة ثوب قد خصصت به
إذا لبست فلم يفضل ولم يعز
ما أودع الله في أحداقنا بصرا
إلا لنفرق بين الدر والخرز
38
وكذلك يمر القارئ بمسائل ذات خطر في التاريخ والسياسة إذ ذاك كقول السلطان: «الجركس من الغساسنة فهم عرب.» وكالبحث في شروط الإمامة في مجلس السلطان وقول مؤلف الكتاب: فإن لم يوجد من يستوفي الشروط من ولد إسماعيل جاز أن يولى واحد من العجم أو من ولد إسحاق، وقوله بعد هذا: الحمد لله والمنة، والجركس من ولد إسحاق، وجميع هذه الشرائط موجودة في السلطان الأعظم.