وأما القسم الجنوبي ففيه هضبة عسير واليمن في الغرب، والجبل الأخضر في الشرق، والهواء فيها معتدل بارتفاعها وقربها من البحر، والأمطار كثيرة، والأرض مغلة، وأكثر الناس حضر.
وسيول اليمن تجري في أودية دائمة وبعضها يهبط إلى تهامة، فينبت بها واحات كثيرة في الغرب والجنوب، ولكن خصب اليمن لا يمتد إلى الشرق طويلا ؛ فوراء الهضب الصحراء الكبيرة أو الربع الخالي.
وفي حضرموت قرى كثيرة غنية.
هذا إجمال تقسيم الجزيرة تقسيما طبيعيا، وفيما يلي تفصيل القول قليلا في هذه الأقسام. (2-1) القسم الشمالي
البادية الشمالية قسمان: الشمالي منها أرض صلبة تسمى اليوم الحماد، وينتهي هذا القسم إلى قرية الجوف (دومة الجندل) جنوبا.
وفي هذ القسم أودية تسيل من الغرب إلى الفرات، أعظمها وادي حوران، وفيه كذلك واد كبير يسمى وادي السرحان، وهو يسيل من جبل حوران صوب الجنوب والشرق، حتى ينتهي إلى قرية الجوف، وينبت على جانبيه واحات خصبة.
وفي هذا الجانب طريق السيارات بين دمشق وبغداد اليوم، وهو زهاء ثمانمائة وستين كيلا، تقطعها السيارات في عشرين ساعة مع الاستراحة. وهي البادية التي اخترقها سيدنا خالد بن الوليد بجيشه في السنة الثانية عشرة من الهجرة، إذ سار من العراق مددا لجيوش العرب في الشام، فرمى بنفسه وجيشه في بادية لا ماء فيها، وأتى الروم من مأمنهم وفجأهم بما لم يحتسبوا، وقد قطعها في خمسة أيام.
وهذه البادية تسمى اليوم بادية الشام، وبادية الشام - على التحقيق - كانت اسما للقسم الغربي منها، وقسمها الشرقي كان يسمى في الجنوب بادية العراق أو السماوة، وفي الشمال بادية الجزيرة أو خساف.
والسماوة عند العرب أرض مستوية لا حجارة فيها، والسماوة أمكنة متعددة، وقد ذكرت في شعر المتنبي وغيره.
قال جرير:
صبحت عمان الخيل وهي كأنها
قطا هاج من فوق السماوة ناهل
وقال عدي بن الرقاع يصف الظباء:
فترددن بالسماوة حتى
كذبتهن غدرها والنهاء
وفي خساف يقول الأعشى:
أخلفتني به قتيلة ميعا
دي وكانت للوعد غير كذوب
ظبية من ظباء بطن خساف
أم طفل بالجو غير ربيب
كنت أوصيتها بألا تطيعي
في قول الوشاة والتخبيب
والقسم الثاني من الصحراء الشمالية، وهو الجنوبي، يبتدئ من خط ثلاثين من العرض ممتدا شطر الجنوب، وهو صحراء تملؤها كثبان من الرمل الأحمر، وهذه الكثبان تسمى اليوم في لغة البادية بالنفود، وبها سميت الصحراء.
وهي على قلة مائها أكثر نباتا وأخصب مرعى من القسم الشمالي. وواحة الجوف في نهاية هذا القسم من جهة الشمال، ينتهي إليها وادي السرحان، وفيها زروع كثيرة، وعلى مقربة منها واحات أخرى صغيرة.
أمراء الحيرة والغساسنة
على حدود بادية الشام في الشرق والغرب نشأت إمارتان عربيتان، وقفت إحداهما من دولة الفرس موقف الثانية من دولة الروم؛ الفرس اتخذوا إمارة الحيرة عونا على حرب الروم، وسدا بين العراق وغارات الأعراب، وكذلك اتخذ الروم أمراء غسان أعوانا على الفرس، ووسيلة إلى إخضاع قبائل البادية.
إمارة الحيرة:
الحيرة مدينة كانت على ثلاثة أميال من الكوفة على بحيرة النجف، وعلى حدود البادية، وكانت في أرض خصبة، تسقيها فروع من نهر الفرات تسير إلى البحيرة، وكانت معروفة بجودة الهواء، وكان قصر الخورنق على نحو ميل منها إلى المشرق، والسدير في البادية مما يلي الشام.
وكان أهلها منذ القرن الثالث الميلادي ثلاثة أصناف: تنوخ، وهم العرب أصحاب المظال وبيوت الشعر، ينزلون غربي الفرات. والصنف الثاني العباد، هم الذين سكنوا المدنية وابتنوا فيها، وهم قبائل شتى. والثالث الأحلاف، وهم الذين نزلوا فيها من غير تنوخ والعباد، واسم المدينة يدل على أنها كانت مضارب خيام، فهو كلمة آرامية، معناها مضرب الخيم.
وكان للحيرة أثر في الجزيرة العربية، كان أهلها يجوبون الأقطار، يتاجرون ويعلمون القراءة والكتابة، ويدعون إلى النصرانية، وكان الشعراء يقصدون المناذرة بالمدائح، وكانت الحيرة كذلك واسطة للتقريب بين الفرس والعرب. وأما تاريخها فمضطرب الروايات؛ ويقال إنه توالى عليها 25 ملكا في 623 سنة، ولكن هذا غير صحيح، فإن الأمراء الذين يذكرون حكموا ما بين أوائل القرن الثالث الميلادي إلى الفتح الإسلامي، وذلك زهاء أربعمائة سنة.