تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأول من تأمر في هذه النواحي مالك بن فهم الأزدي، وخلفه ابنه جذيمة الأبرش، صاحب القصة المعروفة مع الزباء ملكة الجزيرة، ولما قتل جذيمة خلفه ابن أخته عمرو بن عدي، وهو أول الأمراء اللخميين آل نصر، وأول من اتخذ الحيرة منزلا، وأول ملك يعده أهل الحيرة من ملوك العرب بالعراق، وقد دان لأردشير بن بابك مقيم الدولة الساسانية الفارسية (226-241م)، ثم توالى الأمراء من بعد عمرو، فكان خامسهم النعمان بن امرئ القيس.

وكان حكمه في أوائل القرن الخامس الميلادي، وهو النعمان الأعور السائح، باني الخورنق والسدير، وكان ملكا عظيما مهيبا شديد الوطأة على العرب، وكان من آثار قوته ومكانته أنه لما اضطرب أمر الفرس بعد موت يزدجرد الأول، واختلف أمرهم على الملك، تعصب النعمان لبهرام جور بن يزدجرد، حتى تسنى له الملك، وكان بهرام نشأ في كنف النعمان بالحيرة. ويظهر أن النعمان تنصر وتنسك في آخر عهده.

قال حمزة الأصفهاني في تاريخه: فلما أتى على الملك النعمان ثلاثون سنة، علا مجلسه على الخورنق، وأشرف منه على النجف وما يليه من النخل والبساتين والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، فأعجبه ما رأى في البر من الخضرة والنور والأنهار الجارية ولقاط الكمأة، ورعي الإبل، وصيد الظباء والأرانب، وفي الفرات من الملاحين والغواصين وصيادي السمك، وفي الحيرة من الأموال والخيول ومن يموج فيها من رعيته. ففكر وقال: أي درك في هذا الذي قد ملكته اليوم ويملكه غدا غيري؟ فبعث إلى حجابه، ونحاهم عن بابه، فلما جن عليه الليل التحف بكساء، وساح في الأرض، فلم يره أحد.

وفيه يقول عدي بن زيد يخاطب النعمان بن المنذر:

وتدبر رب الخورنق إذ أش

رف يوما وللهدى تفكير

سره حاله وكثرة ما يم

لك والبحر معرضا والسدير

فارعوى قلبه وقال: وما غب

طة حي إلى الممات يصير؟

والرابع عشر من أمراء الحيرة كان:

المنذر بن امرئ القيس، وهو المنذر بن ماء السماء، ملك 32 سنة من 524، ثم قتله الحارث الأعرج الغساني يوم عين أباغ، وبعده استولت كندة على الحيرة؛ وذلك أن الدولة الفارسية اضطرب حبلها بحرب الترك وفتنة مزدك، فاستولى الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار جد امرئ القيس الشاعر، فلما اجتمع أمر الفرس لكسرى أنو شروان (529-578م) رد ملك الحيرة إلى المنذر بن امرئ القيس.

والسادس عشر منهم كان:

عمرو بن المنذر: وهو عمرو بن هند، ملك في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ست عشرة سنة، وأمه هند بنت عمرو بن حجر عمة أبي امرئ القيس الشاعر، وقد بنت ديرا في الحيرة.

وآخر الأمراء من لخم كان النعمان بن المندر أبو قابوس: ملك زهاء عشرين سنة، ثم قتله كسرى أبرويز سنة 602. وهو قاتل عبيد بن الأبرص الشاعر، وعدي بن زيد العبادي، والذي مدحه النابغة الذبياني.

قال حمزة الأصفهاني في تاريخه: ويزعم بعض أهل الأخبار أنه دخل في النصرانية، وكان عابد وثن، وأن عدي بن زيد الذي نصره. قالوا: وسبب ذلك أنه خرج ذات يوم راكبا ومعه عدي بن زيد، فوقف بظهر الحيرة على مقابل مما يلي النهر، فقال له عدي بن زيد: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا. قال: إنها تقول:

أيها الركب المخبون

على الأرض المجدون

مثل ما أنتم حيينا

وكما نحن تكونون

قال له: أعد. فقال: إنها تقول:

رب ركب قد أناخوا حولنا

يشربون الخمر بالماء الزلال

ثم أضحوا لعب الدهر بهم

وكذاك الدهر حالا بعد حال

فارعوى وتنصر.

وقد وقع بينه وبين كسرى أبرويز، فقتله كسرى، فثارت حرب ذي قار بين الفرس والعرب؛ وذلك أن كسرى ولى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة، وأمره أن يأتيه بودائع النعمان المقتول، وكانت عند هانئ بن مسعود الشيباني، فأبى بنو شيبان، وثارت معهم قبائل بكر وبعض القبائل، وكانت وقائع انتهت بهزيمة الفرس.

مهد العرب · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ١٠