وحمار الوحش وصفوه كثيرا وشبهوا به الإبل في سرعتها، واهتموا بصيده، وفصلوا الكلام في وقائعه وجعلوه أعظم الصيد، فقالوا: «كل الصيد في جوف الفراء»، انظر قصيدة أبي ذؤيب الهذلي التي مطلعها:
أمن المنون وريبه تتوجع
والدهر ليس بمعتب من يجزع
ثم اقرأ شعر الشماخ بن ضرار، تعرف كيف أولع شعراء العرب بوصف هذا الحيوان.
والنعام يعيش في النفود في الشمال، ووادي الدواسر إلى الجنوب الغربي من نجد، وقد فتن العرب بسرعته، فوصفوه وشبهوا به الإبل في سرعتها، كما شبهوها بثور الوحش وحماره، ووصفوا بيضه وشبهوا المرأة به في بياضه وصفائه، وجاء في القرآن الكريم:
كأنهن بيض مكنون .
والأوعال في بلاد اليمن وغيرها، وهي المعز الجبلية، وقد ذكرت في الشعر كثيرا، وجعلت مثلا في قول الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها
فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
والأرنب كثير في الجهات كلها.
ومن الطير الحمام والقطا، وقد ردد ذكر القطا شعراء العرب، وسموه الكدري للونه، وذكروه في طيرانه وفي وروده المناهل البعيدة، وقالوا: أصدق من قطاة؛ لأن صوت القطا يحكي اسمه، فكأنه يدل على نفسه.
والسماني كثيرة أيضا.
ومن الطير الجارحة: النسر، والصقر، والحدأة، والغراب.
وفي الجزيرة الثعبان والعقرب والورل والضب، وقد ضرب المثل بالضب في إلف القفر والصبر على الماء، وفي عقد ذنبه، فقالوا: أعقد من ذنب الضب. وضربوا الأمثال وحكوا الأساطير عنه.
والجراد كثير جدا يأكله الناس. والنحل لا يتخذ في الدور كثيرا، ولكن يتخذ البيوت في الجبال والشجر، وقد افتن العرب في تسمية جماعة النحل وذكورها وجني العسل وآلاته؛ وهكذا تصور هذا اللغة وتحكيه الأخبار والأشعار، وفي اليمن وحضرموت عسل طيب جدا. (2) أقسام الجزيرة
قسم العرب جزيرتهم تقسيما مسايرا لطبيعتها إلى خمسة الأقسام الآتية: وزاد ابن حوقل ثلاثة أصقاع: بادية العراق، وبادية الجزيرة، وبادية الشام.
وهذا ما قاله الجغرافيون في هذا التقسيم كما رواه الهمداني:
فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها وتوالدوا فيها على خمسة أقسام عند العرب، في أشعارها وأخبارها:
تهامة، والحجاز، ونجد، والعروض، واليمن.
وذلك أن جبل السراة، وهو أعظم جبال العرب وأذكرها أقبل من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف بوادي الشام، فسمته العرب حجازا؛ لأنه حجز بين الغور وهو تهامة وهو هابط، وبين نجد وهو ظاهر.
فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه إلى أسياف البحر من بلاد الأشعريين وعك وكنانة وغيرها ودونها إلى ذات عرق والجحفة وما صاقبها وغار من أرضها: الغور غور تهامة، وتهامة تجمع ذلك كله.
وصار ما دون ذلك الجبل في شرقيه من صحارى نجد إلى أطراف العراق والسماوة وما يليها: نجدا، ونجد تجمع ذلك كله.
وصار الجبل نفسه سراته وهو الحجاز وما احتجز به في شرقيه من الجبال وانحاز إلى ناحية فيد والجبلين إلى المدينة، وراجعا إلى أرض مذحج من تثليث وما دونها: حجازا، والحجاز يجمع ذلك كله.
وصارت بلاد اليمامة والبحرين وما والاهما العروض، وفيها نجد وغور لقربها من البحر وانخفاض مواضع منها ومسايل أودية فيها، والعروض يجمع ذلك كله.
وصار ما خلف تثليث وما قاربها إلى صنعاء، وما والاها من البلاد إلى حضرموت والشحر وعمان وما يلي ذلك: اليمن، وفيها التهائم والنجد، واليمن تجمع ذلك كله.
وهذا تقسيم - كما يرى - يجعل جنوبي الجزيرة كله من اليمن، والشائع غير هذا.
ويمكن أن تقسم الجزيرة تقسيما طبيعيا إلى ثلاثة أقسام: الشمال والوسط والجنوب؛ فالشمال ما بين شاطئ مدين ورأس الخليج الفارسي وما يتصل به شمالا، وهو صحراء حجرية في الشمال، رملية في الجنوب، ولكنها بعد المطر تنبت مراعي واسعة، وأكثر سكان هذا القسم بداة رعاة.
والوسط الحجاز ونجد والأحساء، وكثير من جهاته قاحل فيه آبار وغدران، وكثير من بقاعه تجري فيه أودية كبيرة، فتنبت المراعي والزرع والشجر، وفيه كثير من القرى والمدن.