تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا

في رأس غمدان دارا منك محلالا

تلك المكارم لا قعبان من لبن

شيبا بماء فعادا بعد أبوالا

ويؤخذ من الأبيات أن هرقل لم ينجد سيفا على الحبش، وكان الحبش قد تنصروا ولم يكن يرجى أن ينصر عليهم الروم أحدا؛ والفرس كانوا أعداء الروم وأعداء الحبش لصلتهم بالروم، فأمد كسرى أنوشروان سيفا بجيش حملته السفن إلى عمان، وساروا إلى اليمن، فأعانوا العرب على الحبش حتى أجلوهم من اليمن، كما تقدم.

مدائن اليمن:

الطريق من الحجاز إلى اليمن تدور حول الجبال التي عليها مدينة الطائف، ثم تجتاز الحدود حدود اليمن حتى تمر بتبالة، وهي في واد خصيب يضرب المثل بخصبها، قال لبيد:

فالصيف والجار الجنيب كأنما

هبطا تبالة مخصبا أهضابها

وقال القتال:

وما مغزل ترعى بأرض تبالة

أراكا وسدرا ناعما ما ينالها

وترعى بها البردين ثم مقيلها

غياطل ملتف عليها ظلالها

بأحسن من ليلى وليلى لشبهها

إذا هتكت في يوم عيد حجالها

ومن أمثال العرب: «أهون من تبالة على الحجاج.» يروى أن الحجاج ولي تبالة، وكانت أول عمل تولاه، فلما قرب منها قال للدليل: «أين تبالة؟ وعلى أي سمت هي؟» فقال: «ما يسترها عنك إلا هذه الأكمة.» فقال: «لا أراني أميرا على موضع تستره عني هذه الأكمة، أهون بها ولاية!» وكر راجعا.

وبعد مسيرة يوم من تبالة شطر الجنوب يمر السائر بوادي بيشة، وهو واد خصيب آهل، به نخيل كثير، على بعد 240 ميلا إلى الجنوب الشرقي من مكة، وفيه عدة قرى أكبرها بيشة، وكان به مأسدة، فقال العرب: أسود بيشة، كما قالوا: أسود خفان، وأسود الشرى.

قال حسان:

كأنهم في الوغى والموت مكتنع

أسود بيشة في أوضاعها فدع

وقال السمهري:

وأنبئت ليلى بالغريين سلمت

علي ودوني طخفة ورجامها

فإن التي أهدت على نأي دارها

سلاما لمردود عليها سلامها

عديد الحصى والأثل من بطن بيشة

وطرفائها ما دام فيها حمامها

ووادي بيشة هذا ينصب إلى نجد، ثم تستقيم الطريق إلى الجنوب حتى صعدة، قال ياقوت:

صعدة مخلاف باليمن، بينه وبين صنعاء ستون فرسخا، وبينه وبين خيوان ستة عشر فرسخا. قال الحسن بن محمد المهلبي: صعدة مدينة عامرة آهلة، يقصدها التجار من كل بلد، وبها مدابغ الأدم، وجلود البقر التي للنعال، وهي خصبة كثيرة الخير، وهي في الإقليم الثاني، عرضها ست عشرة درجة.

وصعدة اليوم أقل عمرانا مما كانت.

وتنشعب من المحجة الكبرى عند صعدة طريق نحو الشرق إلى نجران.

ونجران مدينة في مخلاف نجران، وتاريخها قبل الإسلام متصل بتاريخ النصرانية في بلاد العرب الجنوبية، فقد كانت موئل النصرانية هناك، وللعرب روايات مختلفة في ابتداء هذا الدين بها.

وقد بنيت بها كنيسة كبيرة سميت كعبة نجران؛ مضاهاة للكعبة المكرمة التي كانت لها المكانة الأولى في أديان العرب الجاهليين، روي أن الذين بنوها بنو عبد المدان الحارثي، وروى ابن الكلبي أنها كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد، كان إذا جاءها الخائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد رفد، وكانت لعظمها عندهم يسمونها كعبة نجران، وكانت على نهر بنجران. ويقول الأعشى:

وكعبة نجران حتم علي

ك حتى تناخي بأبوابها

نزور يزيد وعبد المسيح

وقيسا وهم خير أربابها

وشاهدنا الجل والياسمو

ن والمسمعات بقصابها

12

ويربطنا دائم معمل

فأي الثلاثة أزرى بها

ولما غلب الحبش على اليمن في القرن السادس الهجري - كما قدمنا - اعتز بهم النصارى، وراجت الدعوة إلى النصرانية، وأراد الحبش أن يجعلوا لدينهم الكلمة العليا في بلاد العرب، فسيروا جيشا لهدم الكعبة، وكان في الجيش فيل، ولم يبلغ الحبش مأربهم، ورجعوا خائبين مقهورين، وسمي هذا العام عام الفيل، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الوقعة في سورة من سور القرآن عرفت بسورة الفيل:

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول .

مهد العرب · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ٢٥