وقدم وفد نصارى نجران على الرسول صلوات الله عليه في السنة التاسعة من الهجرة، فأنزلهم في المسجد، وضيفهم وكتب لهم أمانا ...
وتستقيم المحجة من صعدة إلى الجنوب حتى صنعاء مدينة اليمن، وهي حاضرة اليمن اليوم وفي معظم العصور الإسلامية، ومن أقدم المدن العربية، نزهة كثيرة المياه والأشجار والفواكه، طيبة الهواء، ولا يتسع المقصود في هذا الكتيب للكتابة عن صنعاء، ولا هي في حاجة إليها.
ويذهب طريق من صنعاء إلى الشرق حتى مأرب حاضرة ملك سبأ، وهي اليوم أطلال تحدث عن تاريخ قديم وعلوم وفنون، وكان بها السد الذي يسمى سد العرم، وقصة انهدام السد وتفرق العرب ومهاجرتهم إلى الشمال من أسير القصص في تاريخ العرب وأدبهم وأساطيرهم، وأكتفي هنا بقول الأعشى:
ففي ذاك للمؤتسي أسوة
ومأرب عفى عليها العرم
فأروى الحروث وأغنامها
على ساعة ماؤهم إن قسم
فكانوا بذلكم حقبة
فمال به جارف منهدم
وهناك اليوم قرى صغيرة وزروع.
وتسير الطريق بعد صنعاء إلى الجنوب حتى ذمار وتريم، وكانت على هذه الطريق ظفار، دار ملك حمير، وقد قيل فيها: من دخل ظفار حمر، أي: تكلم باللغة الحميرية.
وعلى هذه الطريق سحول، وكانت معروفة في القديم بنسج القطن، وكانت تحمل منها ثياب بيض تسمى السحولية، وقد روي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كفن في ثوبين سحوليين، وقال طرفة بن العبد:
لهند بحزان الشريف طلول
تلوح وأدنى عهدهن محيل
وبالسفح آيات كأن رسومها
يمان وشته ريدة وسحول
وريدة قرية باليمن كذلك، وكانت على مقربة من سحول قلعة المذيخيرة، وكانت معتصم القرامطة في اليمن حينا، وهي قلعة حصينة في رأس جبل فيه عيون يسيل منها نهر يسقي بعض القرى.
وتسير الطريق من بعد إلى الجند، وكانت مدينة اليمن الثانية بعد صنعاء، وإليها ذهب معاذ بن جبل - رضي الله عنه - حينما بعثه الرسول صلوات الله عليه ليعلم أهل اليمن. وبالجند مسجد معاذ، يقصده الناس من كل الأرجاء، وليس بها اليوم ما يذكر إلا المسجد. وكانت أعمال اليمن في العصور الإسلامية الأولى مقسمة على ثلاث ولايات: الجند ومخاليفها وهي أكبرها، وصنعاء ومخاليفها وهي الوسطى، والثالثة حضرموت ومخاليفها.
وآخر مدينة يمنية إلى الجنوب مدينة تعز، وكانت حاضرة الدولة الرسولية التي قامت في اليمن بين سنة 626 وسنة 858ه.
حضرموت ومهرة وعمان:
حضرموت:
شرقي اليمن على الساحل، ساحل بحر العرب، وهي أرض جبلية تحدها أودية كثيرة، ويقطعها من الغرب إلى الشرق وادي القصر، يجري فيه الماء طول السنة، وعليه تقوم أكبر المدن: شبام وتريم، وقد ذكر الأعشى تريم، ولست أدري أهي تريم حضرموت أم غيرها. قال:
طال الثواء على تري
م وقد نأت بكر بن وائل
ويقال: إن قبر هود النبي - عليه السلام - إلى الجنوب والشرق من تريم.
وأحسن مرافئ حضرموت المكلا.
وحضرموت متصلة باليمن تاريخا، فالدول القديمة التي قامت باليمن امتد سلطانها على حضرموت أكثر العصور، وفي العصور الإسلامية كانت حضرموت تعد إحدى ولايات اليمن، وعدها ابن الفقيه مخلافا من اليمن، وفي حضرموت كثير من الآثار القديمة والنقوش المتصلة بآثار اليمن.
مهرة:
ويمتد إلى الشرق من حضرموت ساحل يسمى مهرة أو الشحر، والشحر في اللغة العربية الجنوبية معناه الساحل.
وحد هذا الساحل من الشرق قرية حاسك، وإلى القرب منها مرباط، وكانت مرباط مرفأ مدينة ظفار، وهي غير ظفار التي باليمن، وكانت عامرة إلى القرن السابع الهجري، وهي اليوم خربة.
ويقول ياقوت عن مرباط:
وهي مدينة مفردة بين حضرموت وعمان على ساحل البحر، لها سلطان برأسه، ليس لأحد عليه طاعة، وقرب مدينته جبل نحو ثلاثة أيام في مثلها، فيها شجر ينبت اللبان، وهو صمغ يخرج منه ويلتقط ويحمل إلى سائر الدنيا، وهو غلة الملك، يشارك فيه لاقطيه.