وقال المهدي بن الملوح:
إذا الريح من نحو الجريب تنسمت
وجدت لرياها على كبدي بردا
على كبد قد كاد يبدي بها الجوى
ندوبا وبعض القوم يحسبني جلدا
ودخل أعرابي الحضر فاشتاق إلى بلاده، فقال:
لعمري لنور الأقحوان بحائل
ونور الخزامى في ألاء وعرفج
أحب إلينا يا حميد بن مالك
من الورد والخيرى ودهن البنفسج
وأكل يرابيع وضب وأرنب
أحب إلينا من سماني وتدرج
ونص القلاص الصهب تدمى أنوفها
يجبن بنا ما بين قو ومنعج
أحب إلينا من سفين بدجلة
ودرب متى ما يظلم الليل يرتج
ثم القسم الجنوبي الشرقي من نجد يسمى اليمامة، وكانت تسمى جوا والعروض، وكانت قاعدتها مدينة حجر.
وكانت اليمامة معروفة في بلاد العرب بالخصب، كان بها البر والتمر، وقد ضرب المثل بكثرة نخيلها، كما قال أبو العلاء المعري: ووجدت العلم ببغداد أكثر من الجريد باليمامة ... إلخ.
وتسمى اليوم العارض، وهو القسم الأوسط من جبل طويق، وفيه عمران يتسع مائة ميل مربع، ووادي حنيفة وسطه، وفي الجنوب الغربي منه إقليم الخرج، وهو من أخصب بقاع نجد، وقد عنى به الملك عبد العزيز آل سعود، فاستخرج مياهه بآلات عظيمة، ووسع زرعه وغرسه، ويرجى له مستقبل عظيم، وهو يمتد ثمانين ميلا في خمسين، وفيه كثير من العيون الجارية.
وفيه مدينة الرياض حاضرة نجد كلها والمملكة السعودية بعد مكة، وهي في وطأة من الأرض يحيط بها جنات النخيل، ويمتد عمرانها نحو ميلين، وسكانها قرابة خمسة وعشرين ألفا.
وكانت في اليمامة منازل طسم وجديس من قبائل العرب البائدة، ولهما أساطير شائقة، تمثل احتراب القبيلتين، وانتصار تبابعة اليمن لإحداهما، وإجلاء القبيلتين عن اليمامة.
وتتصل بها قصة زرقاء اليمامة التي كانت ترى من مسافة ثلاثة أيام، وقد ضرب بها المثل في الأشعار والأخبار:
سبحان من قسم الحظو
ظ فلا عتاب ولا ملامه
أعمى وأعشى ثم ذو
بصر وزرقاء اليمامه
وقال المتنبي:
وأبصر من زرقاء جو؛ لأنني
متى نظرت عيناي شاءهما علمي
وتسمى اليمامة جوا، والجو في اللغة الوادي الواسع، وفي اليمامة جواء كثيرة ذات زرع ونخيل.
وللعرب أساطير في استيلاء القبائل عليها تشبه خرافة استيلاء طيئ على الجبلين، وطبيعي أن تكون البقاع الخصبة في الجزيرة مطمع القبائل ومثار تنافسهم ومسرح خيالهم.
روي أن بني حنيفة ساروا يرتادون الكلأ حتى قاربوا اليمامة، وأن عبيد بن ثعلبة الحنفي خرج منتجعا بأهله وماله يتتبع مواقع القطر حتى هجم على اليمامة، فنزل على يوم وليلة من حجر، ثم خرج راعي عبيد حتى رأى قصور حجر ونخلها، فرجع إلى سيده فقال: والله إني رأيت آطاما طوالا، وأشجارا حسانا، هذا حملها. وأعطاه من التمر الذي وجده تحت النخل، فلما أكل منه عبيد قال: هذا طعام طيب. ثم أصبح فركب فرسه وأردف غلامه حتى أتى حجرا، فوضع رمحه في الأرض، ثم دفع فرسه واحتجر ثلاثين قصرا وثلاثين حديقة، وسماها حجرا، وكانت تسمى اليمامة، ثم ركز رمحه في وسطها ورجع إلى أهله، فاحتملهم حتى أنزلهم بها.
وفي اليمامة قرية منفوحة، وكان يسكنها الأعشى الشاعر، وكان بها قبره، وقد سألت سعادة الشيخ يوسف في هذا قال: إن بيت الأعشى معروف في منفوحة اليوم.
وفي اليمامة نشأ مسيلمة الحنفي، وكانت بينه وبين جيوش خالد بن الوليد معركة عقرباء التي حطمت جيوش مسيلمة وقتلته. •••
وفي شرقي نجد إلى الشمال صحراء الدهناء.
قال ياقوت:
قال أبو منصور: الدهناء من ديار بني تميم ... وهي سبعة أجبل من الرمل، في عرضها بين كل جبلين شقيقة.
وهي من أكثر بلاد الله كلأ مع قلة أعذاء ومياه، وإذا أخصبت الدهناء ربعت العرب جميعا، لسعتها وكثرة شجرها، وهي عذاة
8
مكرمة نزهة، من سكنها لا يعرف الحمى لطيب تربتها وهوائها.
وهي من أكثر بلاد الله كلأ مع قلة أعذاء ومياه، وإذا أخصبت الدهناء ربعت العرب جميعا، لسعتها وكثرة شجرها، وهي عذاة