وقال حميد بن ثور الهلالي:
ما بال بردك لم يمسس حواشيه
من ثرمداء ولا صنعاء تحبير
وهذا يدل على أن ثرمداء كانت معروفة بنسج البرود.
وسهل نجد الفسيح الذي يمتد بين الوشوم في الشرق، وحرة خيبر في الغرب، وجبال شمر في الشمال، يسمى القصيم، والقصيم في اللغة الرمل الذي ينبت الغضى.
قال زيد الخيل الطائي:
ونحن الجالبون سباء عبس
إلى الجبلين من أرض القصيم
وروى ياقوت أن القصيم بلد قريب من النباج، فيه أودية، وفيه شجر الفاكهة من التين والخوخ والعنب والرمان.
وهذه الأسماء أسماء البلدان والأرض لا تبقى محدودة المسمى، فقد يسمى الإقليم بقرية فيه، أو تسمى القرية باسم الإقليم، أو تتغير الحدود بتوالي العصور.
وفي غربي القصيم جبلا أبان: الأسود والأحمر (وكان يسمى الأبيض)، وبينهما ثلاثة أميال، وفي أبان يقول امرؤ القيس في معلقته:
كأن أبانا في أفانين وبله
كبير أناس في بجاد مزمل
وقال أعرابي قد حبس في اليمامة يحن إلى أبان:
أقول لبوابي والسجن مغلق
وقد لاح برق: ما الذي تريان؟
فقالا: نرى برقا يلوح وما الذي
يشوقك من برق يلوح يمان
فقلت: افتحا لي الباب أنظر ساعة
لعلي أرى البرق الذي تريان
فقالا: أمرنا بالوثاق وما لنا
بمعصية السلطان فيك يدان
فلا تحسبا سجن اليمامة دائما
كما لم يدم عيش لنا بأبان
وقد ذكر أبانان معا في الشعر في مثل قول بشر بن أبي خازم:
ألا بان الخليط ولم يزاروا
وقلبك في الظعائن مستعار
أسائل صاحبي ولقد أراني
بصيرا بالظعائن حيث صاروا
يؤم بها الحداة مياه نخل
وفيها عن أبانين ازورار
ومن قرى القصيم عنيزة وبريدة، وهي على مقربة منها نحو الشرق والشمال، وهاتان القريتان أكبر القرى التجارية في قلب الجزيرة، وفي القصيم غير هاتين نحو خمسين بلدة كبيرة وصغيرة، وسكان بريدة ثلاثون ألفا أكثرهم من بني تميم؛ وسكان عنيزة عشرون ألفا. •••
وفي نجد أودية كثيرة، أعظمها وادي الرمة، وهو يسيل من حرة خيبر في الغرب، فيتوسط القصيم مارا بين أبانين، ويخترق نجدا كلها حتى يقارب البصرة، ويسمى أسماء مختلفة في البقاع التي يمر بها.
نقل ياقوت عن الهيثم بن عدي:
الوادي الذي في بلاد بني تميم ببادية البصرة في أرض بني سعد يسمونه الدهناء، يمر في بلاد بني أسد فيسمونه منعجا، ثم في غطفان فيسمونه الرمة، ثم في بلاد طيئ فيسمونه حائلا.
ونحن لا نقبل هذا القول الذي يجعل كل هذه الأودية واديا واحدا، ولكن لا يبعد أن تصل السيول بعض هذه الأودية ببعض؛ ومهما يكن فلا شك أن مياها متقاربة تسيل من غربي نجد، ميممة الشمال الشرقي حتى تقارب البصرة، ولا شك أن هذا المجرى الطويل تدفع فيه أودية أخرى.
وقد عد وادي الجريب أعظم الأودية التي تمد الرمة، وقيل عن الرمة:
كل بني يسقين
حسية فيهنين
إلا الجريب يروين
كل بني فإنه يحسيني
إلا الجريب إنه يرويني
ويشبه أن يكون وادي الرمة نهرا قديما؛ ولكنه على طوله وسعته التي تكون في بعض البقاع مسيرة يوم، وعلى كثرة ما يدفع إليه من الأودية، لا يجري ماؤه إلا قليلا، وهو يغيض في الرمال. وينبجس في أرجاء كثيرة ينابيع تنشأ حولها الأشجار والزروع والقرى.
ومن أودية نجد وادي حنيفة في الجنوب الشرقي منها، وتمتد حفافيه جنات النخيل وعليه مدينة الرياض.
ووادي الدواسر، وهو يسيل من جبال اليمن صوب الشمال والشرق حتى يدخل نجدا، وكان يسمى فلجا أو الأفلاج، وقد ذكر بهذا الاسم كثيرا في الشعر.
وعلى الوادي واحات كثيرة تنبت الزرع والنخل وأشجار الفاكهة، وفيها قرى صغيرة متفرقة.
ومما قال الشعراء في هذه الأودية قول جرير:
لعمرك لا أنسى ليالي منعج
ولا عاقلا إذ منزل الحي عاقل
وعاقل واد آخر يحاذي منعجا.
وقال بعض الأعراب:
أحب بلاد الله ما بين منعج
إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي
وأول أرض مس جلدي ترابها