تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

ومن الأساطير التي تدل على شهرة جبلي طيئ بالخصب بين العرب أن طيئا - أبا القبيلة - نزح من اليمن بعد سيل العرم مع عمومته، ثم فارقهم وسار إلى الحجاز وأوغل فيه، وكان له بعير يشرد في كل سنة عن إبله ويغيب ثلاثة أشهر، ثم يعود إليه وقد عبل وسمن، وآثار الخضرة بادية في شدقيه، فقال لابنه عمرو: تفقد يا بني هذا البعير، فإذا شرد فاتبع أثره حتى تنظر إلى أين ينتهي.

فلما كانت أيام الربيع وشرد البعير، تبعه على ناقة له، فلم يزل يقفو أثره حتى صار إلى جبل طيئ فأقام هناك.

ونظر عمرو إلى بلاد واسعة، كثيرة المياه والشجر والنخيل والريف، فرجع إلى أبيه وأخبره بذلك، فسار طيئ بإبله وولده حتى نزل الجبلين، فرآهما أرضا لها شأن.

ورأى فيها شيخا عظيما مديد القامة على خلق العاديين، يقال له أجأ، ومعه امرأة على خلقه يقال لها سلمى وهي امرأته، وقد اقتسما الجبلين بينهما نصفين، فأجأ في أحد النصفين وسلمى في الآخر، فسألهما طيئ عن أمرهما، فقال الشيخ: نحن من بقايا صحار، غنينا بهذين الجبلين عصرا بعد عصر، أفنانا كر الليل والنهار. فقال له طيئ: هل لك في مشاركتي إياك في هذا المكان، فأكون لك مؤانسا وخلا؟

فقال الشيخ: إن لي في ذلك رأيا، فأقم فإن المكان واسع، والشجر يانع، والماء ظاهر، والكلأ غامر. فأقام معه طيئ بإبله وولده بالجبلين، فلم يلبث الشيخ والعجوز إلا قليلا حتى هلكا، وخلص المكان لطيئ، فولده به إلى هذه الغاية. وقالوا: وسألت العجوز طيئا ممن هو؟ فقال:

إنا من القوم اليمانينا

إن كنت عن ذلك تسألينا

وقد ضربنا في البلاد حينا

ثمت أقبلنا مهاجرينا

إذ سامنا الضيم بنو أبينا

وقد وقعنا اليوم فيما شينا

ريفا وماء واسعا معينا

ولهذه الأسطورة روايات أخرى ممتعة، وليس بعيدا أن تكون بقية مشوبة بالخرافة من أخبار احتلال طيئ الجبلين، وغلبة أهلهما عليهما.

وارتفاع أجأ يبلغ خمسة آلاف وخمسمائة قدم، وساحته نحو مائة ميل في عشرين، وسلمى يساميه علوا ولكنه أصغر منه.

وفي حضيض جبل أجأ مدينة حائل.

ويحيط بمعظمها جدار من الطين عال عليه أبراج ، وداخل السور بقاع مزروعة قمحا وبها أشجار التين، وسكان حائل خمسة آلاف، وشرقي حائل بساتين ومزارع مسورة، وهناك النخل والتفاح والنارنج والبرتقال والبرقوق وغيرها.

وعلى خمسة وأربعين ميلا إلى الجنوب والشرق من حائل، على سفح جبل سلمى فيد، وحولها بساتين ومزارع كثيرة، وسكانها نحو ألف وخمسمائة من تميم وشمر، وفيد مذكورة معروفة في طريق حاج العراق، وقد ذكرها الحريري في المقامة الكوفية، وقال ياقوت:

وفيد بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة عامرة إلى الآن (القرن السابع)، يودع الحاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم، ووهبوا لمن أودعوها شيئا من ذلك، وهم معونة للحاج في مثل ذلك الموضع المنقطع، ومعيشة أهلها من ادخار العلوفة طول العام إلى أن يقدم الحجاج فيبيعونه عليهم.

وفي هذا الإقليم قرى أخرى صغيرة.

والظاهر أن شمر اليوم هي طيئ العصور الغابرة. وقد رحل كثير من بطون شمر إلى العراق منذ أكثر من مائة سنة، وهم اليوم أكبر قبائل العراق. وقد سألت شيخ مشايخ شمر الشيخ عجيلا الياور - رحمه الله - ونحن ضيوفه في مضارب شمر في الجزيرة الفراتية غربي تلعفر في صيف سنة 1354ه (1936م) سألته: هل شمر هي طيئ القديمة؟ فقال: لا أدري، ولكن في شمال العراق اليوم قبيلة طيئ باسمها القديم، وبين شمر وبينهم أخوة ومودة، ولا يبعد أن يكون بيننا وبينهم قربى.

والقسم الشرقي من نجد يسمى الوشوم، وقد عده ياقوت من اليمامة، وفيه جبال كثيرة، وفيه من القرى ثرمداء والشقراء، وثرمداء تنتهي إليها أودية في الوشوم، وقال جرير:

انظر خليلي بأعلى ثرمداء ضحى

والعيس جائلة أغراضها جنف

مهد العرب · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ١٧