والحجر في وادي القرى على أربع مراحل من تبوك، وكانت بها ديار ثمود، وقد ذكر في القرآن:
كذب أصحاب الحجر المرسلين .
وإلى الشرق من تبوك على حافة الصحراء التي تسمى اليوم صحراء النفود، قرية تيماء، وكانت تسمى تيماء اليهود، قال بعض الأعراب:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني
بتيماء تيماء اليهود غريب
وكان بها الأبلق الفرد قصر السموءل بن عاديا الشاعر المعروف. وتيماء اليوم قرية صغيرة في دارة تيماء إلى الجنوب الغربي من صحراء النفود.
وعلى الواحة حائط من الطين، وبها أبراج من اللبن لدفع الغزاة، وفيها عين كبيرة واسعة جدا، وفيها نخل وزرع من القمح والشعير والذرة.
وسكانها نحو ألفين وخمسمائة إنسان.
وأما خيبر التي كان بها زروع ونخيل وحصون، فهي اليوم ضيقة العمران، وكانت من منازل اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام.
وسكانها اليوم ثلاثة آلاف أكثرهم مولدون، والعرب ينفرون من الإقامة بها خوفا من الحمى، وهي واحة فيها قرى قليلة على ستين ميلا شمالي المدينة، وهناك أودية وعيون كثيرة.
نجد
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريا روضه بعد القطار
وأهلك إذ يحل الحي نجدا
وأنت على زمانك غير زاري
ليال ينقضين وما شعرنا
بأنصاف لهن ولا سرار
نجد الفيحاء الخضراء، ذات الأودية والمروج، والقرى والحدائق، وذات الجبال والسهول، والمدر والوبر، متقلب القبائل الكبيرة، ومسرح الجياد العربية الأصيلة.
نجد ملعب الصبا والنعامى،
5
ومنبت العرار والخزامى، ومرتع الشعراء، تجاوبت أرجاؤها بأشعارهم، وروت غدرانها ورياضها أخبارهم، بلاد امرئ القيس، وطرفة، والحارث بن حلزة، وأوس بن حجر، وزهير، وعنترة، ومنشأ جرير والفرزدق، التي حفظ الشعر العربي ذكراها، وردد خارج الجزيرة صداها، وحن إلى صباها.
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد
لقد زادني مسراك وجدا على وجد
نجد التي أثارت الهوى والفتون، ونشأت ليلى والمجنون.
نجد حيث الجبال أجأ وسلمى وأبانان ، وحيث سهل القصيم والصمان، وحيث اليمامة ذات النخيل والزروع، والأودية والعيون.
مسارح الجلال والجمال، ومشاهد البداوة والحضارة، مجالي النشاط والقوة، والمروءة والفتوة. •••
نجد أوسع أقاليم الجزيرة، يمتد بين صحراء النفود في الشمال، إلى الصحراء الكبرى أو الربع الخالي في الجنوب، وما بين الحجاز والأحساء غربا وشرقا. وطول نجد من الشمال إلى الجنوب زهاء ثمانمائة ميل، وعرضها من الشرق إلى الغرب زهاء مائتين وعشرين، وارتفاعه بين خمسة آلاف قدم في الغرب وألفين وخمسمائة في الشرق، ومعظمه سهل رملي في جهات، بركاني في جهات أخرى.
وفي شمال نجد أرض شمر يفصل بينها وبين النفود جبال شمر، وهي جبال طيئ المعروفة في تاريخ العرب، وهناك جبل أجأ وسلمى، وهما الجبلان اللذان اعتصمت بهما طيئ منذ العصور القديمة، واعتزت بهما وافتخرت، وردد ذكرهما الشعر.
قال عارق الطائي:
من مبلغ عمرو بن هند رسالة
إذا استحقبتهما العيس تنضى من البعد
أيوعدني والرمل بيني وبينه
تأمل رويدا ما أمامة من هند
ومن أجأ حولي رعان كأنها
قنابل خيل من كميت ومن ورد
وقال زيد بن مهلهل الطائي:
جلبنا الخيل من أجأ وسلمى
تخب نزائعا خبب الركاب
جلبنا كل طرف أعوجي
وسلهبة كخافية الغراب
وقال لبيد يصف كتيبة النعمان:
كأركان سلمى إذ بدت أو كأنها
هضاب أجأ إذ لاح فيه مواسل
6
ومما يروى من الأساطير، أن رجلا من العماليق يقال له أجأ، هوى امرأة من قومه يقال لها سلمى، وكان لها حاضنة اسمها العوجاء، فأتمر إخوة سلمى بهما، وهم الغميم والمضل وفدك وفائد والحدثان، وانحاز إليهم زوج سلمى، فهربت سلمى وأجأ والعوجاء، فأدركوا سلمى فقتلوها على الجبل الذي سمي باسمها، وأدركوا أجأ فقتلوه على الجبل الذي سمي أجأ، وأدركوا العوجاء فقتلوها على هضبة بين الجبلين، فسميت العوجاء، أنف هؤلاء القوم أن يرجعوا إلى قومهم، فتفرقوا في البلاد وسار كل واحد إلى مكان سمي باسمه؛ فهذه الأسماء: الغميم والمضل ... إلخ أسماء هؤلاء الرجال.