وقد ذكره الشعراء في حنينهم إلى المدينة؛ قال محمد بن عبد الملك الفقعسي وهو في بغداد:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بسلع ولم تغلق علي دروب
وهل أحد باد لنا وكأنه
حصان أمام المقربات جنيب
يخب السراب الضحل بيني وبينه
فيبدو لعيني تارة ويغيب
فإن شفائي نظرة إن نظرتها
إلى أحد والحرتان قريب
وغير الذي تقدم ذكره جبلان أحمران متقاربان، يسمى أحدهما عيرا الوارد، والآخر عيرا الصادر، وروي في حديث أن الرسول حرم ما بين عير إلى أحد.
وفي سهل المدينة أودية كثيرة تسيل من جنوبيه ومن الحرتين صوب الشمال، فتجتمع في مجتمع الأسيال، ثم تسيل في وادي إضم مغربة إلى الساحل.
ولا تجري هذه الأودية إلا غب مطر غزير، ولكنها تمد الأرض بعيون وآبار. وأعظم الأودية في الشرق: قناة، ومهزور، ومذينب. وفي الغرب: بطحان، ورنونا، والعقيق.
والعقيق واد واسع به عيون وزرع وشجر، وفيه قرى وقصور لأغنياء المدينة، وقد ذكره الشعراء كثيرا وحنوا إليه.
قال سعيد بن سليمان في بغداد يتشوق العقيق:
وبعد المصلى والعقيق وأهله
وبعد البلاط حيث يحلو التزاور
إذا أعشبت قرياته وتزينت
عراص بها نبت أنيق وزاهر
وغنى بها الذبان تغزو نباتها
كما واقعت أيدي القيان المزاهر
وقالت أعرابية من العقيق تزوجت في نجد:
إذا الريح من نحو العقيق تنسمت
تجدد لي شوق يضاعف من وجدي
إذا رحلوا بي نحو نجد وأهله
فحسبي من الدنيا رجوعي إلى نجدي
وقد أكثر الشعراء من ذكر العقيق والتشوق إليه والحنين، حتى صار في الشعر من البقاع الشعرية التي يرمز بها إلى ديار الأحباء. ولله البحتري حين يقول:
وقفة بالعقيق نطرح ثقلا
من دموع بوقفة في العقيق
وقال علي بن الجهم:
هذا العقيق فعد أي
دي العيس عن غلوائها
وإذا أطفت ببئر عر
وة فاسقني من مائها
إنا وعيشك ما ذمم
نا العيش في أفنائها
وبئر عروة هذه هي بئر عروة بن الزبير، وفيها يقول السري بن عبد الرحمن الأنصاري:
كفنوني إن مت في درع أروى
واجعلوا لي من بئر عروة مائي
سخنة في الشتاء باردة الصيف
سراج في الليلة الظلماء
وفي العقيق أيضا بئر رومة، ويقول مصعب بن عبد الله الزبيري وهو بالعراق:
أقول لثابت والعين تهمي
دموعا ما أكفكفها انحدارا
أعرني نظرة بقرى دجيل
تحايلها ظلاما أو نهارا
فقال: أرى برومة أو بسلع
منازلنا معطلة قفارا
الطائف:
ومن مدن الحجاز الطائف على جبل غزوان في إقليم جبلي مرتفع، ارتفاعه خمسة آلاف قدم، يمتاز بطبيعته عن أرض الحجاز، وهو أشبه باليمن في هوائه وزروعه وثماره، حتى قيل في الأساطير: إن إبراهيم - عليه السلام - لما دعا الله أن يرزق أهل مكة من الثمرات، نقل إليهم الطائف وكانت قرية بالشام. وهي مصيف الأغنياء من أهل مكة؛ قال محمد بن عبد الله النميري:
تشتو بمكة نعمة
ومصيفها بالطائف
وفي الطائف أودية ومياه جارية، وبها أصناف كثيرة من الفاكهة.
وهي بوادي وج، وقد ذكر في الشعر كثيرا؛ يروى عن عروة بن حزام:
أحقا يا حمامة بطن وج
بهذا النوح أنك تصدقينا
وقال كعب بن مالك الأنصاري:
قضينا من تهامة كل إرب
بخيبر ثم أغمدنا السيوفا
وننتزع العروش عروش وج
وتصبح دوركم منا خلوفا
وكانت الطائف تقرن بمكة في الجاهلية لعظمها، فتسميان القريتين؛ جاء في القرآن الكريم حكاية قول قريش:
وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم .
والطائف كانت مسكن ثقيف من قبائل العرب كما يأتي، وكان لهم بها صنم كبير يسمى اللات، جاء ذكره في القرآن:
أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى .
وسكان الطائف اليوم خمسة آلاف نسمة، أكثرهم من ثقيف وعتيبة.
جدة:
ومن مدن الحجاز وقراه: جدة، وهي اليوم مرفأ مكة، وأكبر مرافئ الحجاز، ومنها في الشمال تبوك، وهي على المحجة القديمة بين دمشق والمدينة، ومحطة على سكة حديد الحجاز، وإليها كانت غزوة الرسول في السنة التاسعة من الهجرة، وسكانها اليوم نحو ألف نسمة.