سيأتي أمير المؤمنين ودونه
جماهير حسمى غورها وحزونها
تجاوب أصدائي بكل قصيدة
من الشعر مهداة إلى من يزينها
وقال أبو الطيب المتنبي في القصيدة التي وصف بها خروجه من مصر إلى العراق:
وهبت بحسمى هبوب الدبو
ر مستقبلات مهب الصبا
وقال في أخبار هذه الرحلة:
وحسمى هذه تؤدي أثر النحلة من لينها، وتنبت سائر النبات، مملوءة جبالا في كبد السماء متناوحة ملس الجوانب، إذا أراد الناظر النظر إلى قلة أحدها فتل عنقه حتى يراها، بشدة، ومنها ما لا يقدر أحد أن يصعده، ولا يكاد القتام يفارقها، وذلك معنى قول النابغة:
وأصبح عاقلا بجبال حسمى
دقاق الترب محتزم القتام
وقد اختلف الناس في تفسير هذا البيت ولم يعلموا ما أراد.
تكون «حسمى» مسيرة ثلاثة أيام في يومين، يعرفها من رآها من حيث رآها؛ لأنها لا مثيل لها في الدنيا.
ومن جبالها جبل يعرف بأرم عظيم العلو، تزعم البادية أن فيه كروما وصنوبرا.
مدن الحجاز وقراه:
مكة:
لست في حاجة إلى الكلام على أم القرى، وصفها وتاريخها ومكانتها في الإسلام وفي الجاهلية، فهذا لا يحتاج إلى بيان ولا تتسع لبيانه هذه الفصول الضيقة، ولكن أذكر طرفا من وصفها الطبيعي:
هي في واد ضيق يتجه من الشمال إلى الجنوب، تحيط به جبال شاهقة. وهي عند درجة 21 من درجات العرض الشمالي، ودرجة 37 من درجات الطول الشرقي، وعلى 100 كيل من البحر، وليس فيها إلا ماء زمزم.
وقال ياقوت، ومثله في كتاب الهمداني:
وأما صفتها فهي مدينة في واد، والجبال مشرفة عليها من جميع النواحي، محيطة حول الكعبة، حارة في الصيف إلا أن ليلها طيب.
وكل ما نزل عن المسجد الحرام يسمونه المسفلة، وما ارتفع عنه يسمونه المعلاة، وعرضها سعة الوادي، والمسجد في ثلثي البلد إلى المسفلة، والكعبة في وسط المسجد، وليس بمكة ماء جار، ومياهها من السماء، وليس لهم آبار يشربون منها، وأطيبها بئر زمزم، ولا يمكن الإدمان على شربها، وليس بجميع مكة شجر مثمر إلا شجر البادية، فإذا جزت الحرم، فهناك عيون وآبار وحوائط كثيرة، وأودية ذات خضر ومزارع ونخيل، وأما الحرم فليس به شجر مثمر إلا نخيل يسيرة متفرقة.
وسكان مكة اليوم زهاء مائة ألف.
المدينة:
المدينة المنورة التي آوت الدعوة الإسلامية ناشئة، وربت أولى الجماعات على هدي الإسلام وفضائله، واتخذها الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - دار هجرته، وأقام به حتى لحق بالرفيق الأعلى، وبها مزاره الكريم، إليه تهوي أفئدة المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها، ومنه يقتبسون كل ذكرى عظيمة، ويذكرون كل سنة كريمة. هذه المدينة لا تحتاج إلى التعريف في هذا القول المجمل.
فإنما أذكر كلمة تعرف بعض التعريف بمكانها وطبيعتها: هي على الخط الخامس والعشرين من العرض الشمالي، والخط الأربعين من الطول الشرقي، وعلى ثلاثمائة ميل من مكة، ومائة وثلاثين ميلا من ينبع.
وهي في سهل ينحدر الهوينى نحو الشمال، يحده من جهة الشمال جبل أحد، ومن الجنوب الشرقي جبل عير، وهو على أربعة أكيال منها، ويحده في الشرق والغرب الحرتان الشرقية والغربية، والشرقية أبعد عن المدينة، بينهما سهل فسيح خصب، وتسمى حرة واقم، وعندها كانت وقعة الحرة المعروفة في عهد يزيد بن معاوية سنة 63ه؛ وقال عبد الله بن قيس الرقيات:
تذكرني قتلى بحرة واقم
أصبن وأرحاما قطعن شوابكا
ويمتد سهل المدينة شطر الجنوب على مدى البصر.
والحرة تسمى اللابة أيضا؛ ومن أجل هذا يقال: ما بين اللابتين، أو ما بين لابتيها، أي: المدينة كلها. وقد جاء في الحديث: «والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي يا رسول الله»، وأن رسول الله حرم ما بين لابتيها، أي: جعل المدينة حرما.
وشمالي المدينة جبل صغير يسمى سلعا، وعلى ثلاثة أميال منهما شطر الشمال جبل أحد، وعنده كانت الوقعة المعروفة في العام الثالث من الهجرة، وقد جاء في الأثر: «أحد جبل يحبنا ونحبه، وهو على باب من أبواب الجنة.»