تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي الحرب التي أشاد بها شعراء العرب عصورا طويلة. قال أبو تمام في مدح بني مزيد من شيبان:

أولاك بنو الأفضال لولا فعالهم

هلكن فلم يوجد لمكرمة عقب

لهم يوم ذي قار مضى وهو مفرد

وحيد من الأيام ليس له عقب

به علمت صهب الأعاجم أنه

به أعربت عن ذات أنفسها العرب

وقال:

إذا افتخرت يوما تميم بقوسها

وزادت على ما وطدت من مناقب

فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم

عروش الذين استرهنوا قوس حاجب

وبعد إياس ولي الحيرة ولاة من الفرس، ثم ملك المنذر بن النعمان، وهو الملقب بالمغرور، وقتل في حروب الردة بالبحرين؛ ثم كان الفتح الإسلامي.

الغساسنة:

ينسبون إلى الأزد من قبائل اليمن، ويقال إنهم فارقوا ديارهم بعد سيل العرم، وانتهى بهم السير إلى ماء اسمه غسان بالشام، فنسبوا إليه. والروايات مختلفة في تاريخهم، فحمزة الأصفهاني وأبو الفداء يذكران واحدا وثلاثين أميرا، والمسعودي وابن قتيبة لا يذكران إلا عشرة، وكذلك يختلف الرواة في سني الملوك ونسقهم.

ويروى عن تأمرهم بالشام أنهم نزلوا هناك مجاورين الضجاعمة، وهم من ولد سليح بن عمرو بن حلوان من قضاعة، ورئيس غسان يومئذ ثعلبة بن عمرو، فطالبهم الضجاعمة بالإتاوة، فأبوا، ثم أدوها كارهين.

ثم أديل لهم من بعد، فغلبوا الضجاعمة، وتفردوا بالسلطان، واحتاج الروم إلى معونتهم فيما بينهم وبين الفرس من حروب، فحالفوهم على أن يمدهم الروم بأربعين ألفا إذا دهمهم العرب، وأن يمدوا هم الروم بعشرين ألفا إذا حاربهم الفرس.

فهذا كان مبدأ إمارتهم وثبات سلطانهم، فمتى كان ذلك؟ في رواية حمزة الأصفهاني وغيره أن الغساسنة حكموا زهاء 600 سنة، وهذا يقتضي أن تكون إمارتهم بدأت في القرن الأول الميلادي، وهو غلط بين، ويظهر من تاريخهم ومما يرويه مؤرخو الروم، أن إمارتهم بدأت في أواخر القرن الخامس الميلادي.

ولم يكن للغساسنة مدينة يتخذونها دارا للملك، بل كانوا يتنقلون من البلقاء إلى جهات دمشق وتدمر، وكانت أكثر إقامتهم في الجولان جنوبي دمشق، وكان سلطانهم يمتد على حوران والبلقاء ونواح من فلسطين ولبنان، والشعراء يذكرون في مدحهم الجولان والجابية في فلسطين، وجلق قرب دمشق، ومواضع أخرى. فلينظر شعر حسان والنابغة الذبياني.

ومن شعر النابغة فيهم القصيدة التي مطلعها:

كليني لهم يا أميمة ناصب

وليل أقاسيه بطيء الكواكب

يقول فيها:

لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم

من الناس والأحلام غير عوازب

على عارفات للطعان عوابس

بهن كلوم بين دام وجالب

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا

إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

حبوت بها غسان إذ كنت لاحقا

بقوم وإذ أعيت علي مذاهبي

وأول من عظم أمره منهم الحارث بن جبلة الملقب بالأعرج، والمعروف بابن أبي شمر (529-569) وهو الحارث بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة، وجفنة الجد الذي تنسب إليه الأسرة.

ويعرف من أخبار الحارث هذا أن جستنيان قيصر الروم ملكه سنة 529م؛ ليحارب المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، وجعله رئيس كل القبائل التي بالشام، ولقبه بأعظم الألقاب في الدولة الرومية بعد لقب الملك، وكان بينه وبين المنذر عدة وقائع، وأسر المنذر أحد أبناء الحارث وقربه إلى العزى سنة 544م، ثم انتصر الحارث على المنذر في قنسرين وقتل المنذر في الموقعة، وهو اليوم الذي يعرف في الروايات العربية باسم يوم حليمة. وذهب الحارث إلى القسطنطينية سنة 563م ليتفق مع الروم على من يخلفه في الإمارة، فراع أهل المدينة منظره، حتى إن الإمبراطور جستينوس حينما كبر وخرف كان يخوف بالحارث. ومات الحارث حوالي سنة 570م، فخلفه ابنه المنذر بن الحارث.

فسار سيرة أبيه في معونة الروم ومحاربة أمراء الحيرة، وقد هزم أمير الحيرة قابوس بن المنذر سنة 570 في موقعة يحتمل أنها المعروفة باسم يوم عين أباغ، ثم لم يمده الروم بالمال، وكانت بينه وبين الروم ريبة، فعصى ثلاث سنين، ثم احتاج الروم إلى مصالحته حينما أغار الفرس والعرب على سورية، فأرسل قيصر رسولا، فحالفه على قبر سرجيوس بالرصافة، ثم دعاه الإمبراطور جستنيان بعد سنين إلى القسطنطينية، ونفاه إلى صقلية.

مهد العرب · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مهد العربص ١١