تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القضاء والقدر

وأما القضاء والقدر فجلال الدين يذهب فيه إلى الاختيار ويشتد على الجبرية:

اين چنين وآن چنان فردا كنم

أين دليل اختيار ست أي صنم

قولك افعل هذا وذاك غدا دليل الاختيار أيها الصنم.

وقد حكى في الجزء الأول قصة الوحوش والأسد التي في كليلة ودمنة، فبدأها بمحاورة بين الأسد والوحوش في الجبر والاختيار وانتهى بالمحاورة إلى ترجيح الاختيار. وهذه القصة مترجمة في الفصول الآتية.

تتجلى عظمة جلال الدين في المناداة بالاختيار، وحفز الناس إلى العمل والمسير قدما، بل هو يرى أن الحياة جهاد مستمر لا ينبغي أن يسكن المجاهد فيها ساعة.

يقول في المثنوي في قصة التاجر والببغاء:

الغريق يجهد نفسه ويضرب يده على كل عشبة لعلها تنقذه من الخطر.

والحبيب (الله) يحب هذا الاضطراب، وإن الجهد الذاهب سدى خير من النوم.

إن الملك نفسه ليس فارغا من العمل، ولهذا قال الرحمن:

كل يوم هو في شأن . اكدح في هذا الطريق واجهد، ولا تفرغ ساعة، حتى الساعة الأخيرة.

والألم عنده وسيلة اللذة، والبكاء سبب الضحك: «كيف يضحك المرج إذا لم يبك الربيع؟ وكيف ينال الطفل اللبن بغير بكاء» والعناء أحرى، والكد أنفع. ورجل الطريق أو رجل الله يلقى الخير والشر واللذة والألم راضيا مقدما موقنا أنه بالألم يكمل ويرقى حتى يبلغ غايته. يقول في المثنوي:

إن مكروهه محبوب في نفسي. فدى روحي للحبيب المعذب قلبي، أنا عاشق نصبه وألمه. إنني أكحل عيني بتراب الغم ليمتلئ بحر العينين بالجواهر. إن الدموع التي تمطرها العين في سبيله جوهر يحسبه الناس دمعا.

ويقول:

ذاك المكروه الذي يصيبني به غاضبا أكثر إطرابا من الرباب، يا من جفاؤه أحسن من السعادة، وانتقامه أحب من الروح، هذه نارك فكيف نورك؟ وهذا مأتمك فكيف العرس؟ أنوح وأخشى أن يستمع لنواحي فيخفف عني هذه الشدة كرما، إنني عاشق قهره ولطفه، فاعجب لعاشق الضدين. والله لئن جاوزن هذا الشوك إلى البستان لأنوحن نواح البلبل. اعجب لبلبل يفتح فاه ليأكل الشوك والورد! أي بلبل هذا؟ إنه تنين ناري يحبب إليه العشق كل مكروه، هو عاشق الكل وهو الكل نفسه، هو عاشق نفسه وطالب عشق نفسه.

بل يرى أن هذا النواح من الأرواح المجاهدة مناجاة دائمة ورقي مستمر يقول:

حين ينوح بغير شكوى ولا شكر، تضج له السموات السبع. له كل حين مائة نوحة، ومن الله مائة رسالة. منه يا رب مرة، ومن الله سبعون لبيك. وله كل لحظة معراج خاص، ولرأسه مائة تاج خاص. صورته على الأرض، وروحه في لا مكان، لا مكان لا يدركه وهم السالكين.

تلكم قطرة من بحر جلال الدين، وشرارة من ناره، وبصيص من نوره. ومثل هذا الفيلسوف ينبغي أن تذاع فلسفته، لقد أثرت هذه الفلسفة الإسلامية في رجل من رجال عصرنا فجعلته شاعر القوة والحياة في الهند، وحسبه الناس سائرا على أثر فلاسفة أوربا ولكنه قال عن نفسه: إنه أثر من جلال الدين، فما أجدر جلالا أن يخرج للمسلمين في كل جيل مثل شاعر الهند محمد إقبال.

| هوامش

| فصول من المثنوي

ترجمت قصة الببغاء والتاجر وقصة الأسد والأرنب من الجزء الأول من المثنوي، ومقدمة الجزء الثالث من الكتاب عينه، ترجمت الأولى منظومة والأخريين منثورتين.

وقد ترجمت هذه الفصول كما هي دون حذف أو تغيير، أردت أن أنقل إلى قارئ العربية صورا صادقة من هذا الكتاب، فلم أثبت أبياتا وأدع أخرى، مختارا الأبيات البليغة والصور الجميلة، ولكن ترجمت الفصل كله جيده ووسطه ورديئه، واضحه وغامضه، مؤثرا أن يطلع قاري العربية على ما يطلع عليه قارئ الفارسية في فصول هذه المنظومة العجيبة.

ولعلي أترجم من بعد مختارات من هذا الكتاب تكون أقرب إلى فهم القارئ واستحسانه، إن شاء الله.

وقد لقيت عناء في الترجمة المنظومة؛ لأن المترجم ناظما مقيد بحدود المعنى في الأصل، وقيود النظم في الترجمة، ولأن بعض المفردات والجمل جاءت في الأصل عربية فلم أستحسن تغييرها، وربما لاءم اللفظ العربي ألفاظا فارسية يتم بها النظم في الأصل ولم يلائم ألفاظا عربية تؤدي معنى هذه الألفاظ الفارسية. فكان علي أن أحتال لإدخال الألفاظ العربية في النظم ثم التزام ترجمة بيت ببيت، على ما في ألفاظ اللغتين وقواعدهما من اختلاف بين زاد الترجمة صعوبة، ولم أترجم بيتا ببيتين إلا مرتين أو ثلاثا في هذا الفصل المنظوم.

فصول من المثنوي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فصول من المثنويص ٩