ليس هناك جراح. كل ما هناك رحمة ومحبة، ولكن وهمك حجاب خلف الباب.
لا تضرم النار في الغابة واصمت أيها القلب، أمسك لسانك فإنه لسان النار.
14
آراء جلال الدين
شرح جلال الدين آراءه في المسائل الفلسفية والصوفية والدينية والأخلاقية في أكثر من اثنين وسبعين ألف بيت، في المثنوي والديوان. ويتعذر على الباحث أن يجمل آراءه ولو في المسائل الكبرى؛ فإن مسألة واحدة منها تحتاج إلى فصل أو أكثر، فقصارى المتكلم في مثل هذا المقام أن يعرض أمثلة من قوله في بعض المسائل، وأنا أعرض بعض أقواله في الروح وصلتها بالله، وحنينها الدائم إلى موطنها الأول، وفي تطور الموجودات وفنائها في الله، ثم أعرض ناحية من فلسفته العملية فأبين رأيه في القضاء والقدر، والعمل في هذه الحياة. وأنا في هذا أعرض صورة واحدة من صور شتى لمسائل قليلة من مسائل كثيرة جدا:
الروح من عالم آخر امتحنت بهذا السجن الأرضي، وهي تسمع النداء من تلك الديار كل حين.
يقول في الديوان:
كل حين نسمع صوت العشق من يمين وشمال. ها نحن أولاء ذاهبين إلى الفلك، فمن يريد تسريح النظر؟
كنا من قبل في الفلك، كنا أصدقاء الملك، وهنالك نعود فتلك ديارنا.
والحق أننا أعلى من الفلك، وأننا أكبر من الملك، فلماذا لا نجتاز هذين؟ ألا إن منزلنا الكبرياء.
أين عالم التراب؟ وأين الجوهر الطاهر؟ قد هبطنا وسنرجع فما هذا لنا بمقام.
الخد الناضر رفيقنا، وبذل الروح عملنا، ودليل قافلتنا فخر العالم المصطفى.
عرف هذا النسيم من ثنايا طرته، ولألاء هذا الخيال من ضحى غرته.
قد انشق القمر من وجهه، فلم يستطع رؤيته؛ سعد القمر بهذا الجد وهو السائل الصغير، فانظر في قلوبنا كل لحظة شق القمر ...
جاء موج «ألست»
6
فحطم سفينة القالب (البدن) وإذا حطمت السفينة فهذه نوبة اللقاء.
الخلق كطير الماء، خلقوا من بحر الروح، وكيف يسكن إلى المقام هنا طائر ارتفع من ذلك اليم؟
بل نحن در من ذلك البحر، كلنا حاضر فيه، وإلا فما هذا الموج المتتابع من أرواحنا؟ إنه وصل اللقاء، إنه حس البقاء، إنه اللطف والعطاء، بحر صفاء في صفاء.
ارتفع موج العطاء، وسمع زخير البحر. تنفس صبح السعادة. لا، إنه نور الله.
الفناء في الله
وهو يتحدث كثيرا كما يتحدث كبار الصوفية عن فناء الإنسان، ويتكلم عن زوال الاثنينية، وامحاء أنا وأنت، وهي فكرة شائعة في شعر ابن الفارض وغيره، ولكن جلال الدين يذكر فناء العالم في الله سبحانه في صورة أخرى: يرى أن العالم يرقى إلى الله، حائلا من جماد إلى نبات إلى حيوان فإنسان فملك، ثم يفنى في الله، وقد ذكر بعض الصوفية كعبد الكريم الجيلي صاحب «الإنسان الكامل» ما يؤخذ منه أن الإنسان صلة العالم كله بالله، وهي فكرة جلال الدين في شكل آخر.
كرر هذا القول جلال الدين في المثنوي والديوان، يقول في قصة وكيل صدر بخارى في الجزء الثالث من المثنوي على لسان العاشق الذي لا يبالي بالموت:
أز جمادي مردم ونامي شدم ... إلخ.
صرت، إذ مت جمادا ناميا
مت نبتا صرت حيا ساعيا
مت حيوان إذا بي بشر
كيف أخشى الموت ماذا أحذر
ثم أغدو مائتا بين البشر
طائرا في ملك لا أستقر
ليس لي إلا مسير نحوه
كل شيء هالك إلا وجهه
ثم أسمو طائرا فوق الملك
ذاك فوق الوهم لا يخطر لك
ثم أفنى والفنا كالأرغنون
منشدي: إنا إليه راجعون
وقد كرر هذا في الديوان في القصيدة التي أولها:
هرنقش راكه ديدي جنسش زلامكانست
كرنقش رفت غم نيست أصلش چو جاودانست
قال:
قد وضع أمامك منذ جئت عالم الوجود سلم للخلاص، كنت جمادا فصرت نباتا، ثم صرت حيوانا، كيف خفي هذا عليك؟
ثم صرت إنسانا ذا عقل وعلم وإيمان، فانظر أي زهرة صار هذا الجسم الترابي؟
وإذا جاوزت الإنسان تصير - ولا ريب - ملكا، فتترك هذه الأرض إلى السماء.
جاوز الملكية أيضا، وادخل ذلك اليم لتصير قطرتك بحرا هو مائة بحر.