حارت الأيام في آلامنا
ليس إلا النار في أيامنا
فدع الأيام يذهبن فدى
وابق يا من أنت للقلب هدى
كل ظمآن سوى الحوت ارتوى
من يفته الزاد أعياه المدى
ما درى الخالي بحال المستهام
فلأقصر من بياني والسلام
اقطع القيد، تحرر يا فتى!
يا أسيرا للهوى! حتى متى؟
إن تصب البحر في كوز فهل
فيه إلا شرب يوم أو أقل
إن عين الحرص ليست تملأ
ويحها مطروفة لا ترقأ
صدف البحر، تأمل واسمع
لا يحوز الدر ما لم يقنع
من يمزق ثوبه العشق صفا
وزكا كالدر خلى الصدفا
مرحبا يا عشق يا خير أمل
يا طبيب النفس من كل العلل
يا دواء منه تسمو روحنا
أنت جالينوس أو أفلاطنا
4
ومن العشق، وأنى يحمل
رقص الطود وخف الجبل
عشق الطور أجل قد عشقا
فهوى إذ «خر موسى صعقا»
لو تسنى من صديق لي فم
قلت كالناي حديثا أكتم
من يفارقه نجي يفهم
فهو - مع ألف لسان - أبكم
صمت البلبل عن ألحانه
حين غاب الورد عن بستانه
ميت العاشق والمعشوق حي
كل المعشوق والعاشق في
5
هو إن لم يقدر العشق له
طائر حص جناحا ويله
كيف أدري ما ورائي وأمام
دون نور من حبيبي في الظلام
كم بصدري من معان غاليه
لكن المرآة ليست حاكيه
إن مرآتك غامت دنسا
صدأ الطبع عليها طمسا
12
الديوان
وأما الديوان الذي سماه ديوان شمس تبريز وعرف باسم ديوان شمس الدين التبريزي ففن آخر من النظام، هو قصائد متفرقة، كل واحدة مستقلة عن الأخريات، أعني أنها نظمت للإبانة عما جال في ضمير الشاعر حين نظمها، واختير لها وزن خاص وقافية، ولم يرد أن تكون مقدمة لمنظومة أخرى أو مكملة لها، وإن كانت المعاني متشابهة متقاربة أو متماثلة، وهي فيض في العشق والفناء وغيرها من المطالب العالية في نحو ستة وأربعين ألف بيت.
الفرق بين المثنوي والديوان أن الأول منظومة واحدة في وزن واحد وضرب واحد من التقفية، وفيها تعليم بين تفسير آية وشرح قصة وضرب مثل، وإن كان هذا كله متصلا بمقصده الأخير: حب الله والفناء فيه، فجلال الدين في المثنوي أستاذ معلم مختلف الأساليب، يخاطب وينصح ويعظ، وينتقل بتلاميذه من فن إلى آخر، ويغلبه الوجد بين الحين والحين فيرتمي في البحر الذي لا يعرف سابحه أو غريقه ساحلا.
وأما الديوان فهو كما أسلفنا قصائد قصيرة يغلب فيها فورة الشعر وخياله، فهو من هذه الناحية أعلى من المثنوي وأدق، وأدخل في الشعر.
ويكثر فيه الرمز، ويجود فيه التصوير، ويعنى كذلك بالصناعة اللفظية أحيانا، ويردف القافية ويلتزم ما لا يلزم.
على حين يظهر في المثنوي كثيرا أثر الإملاء المرتجل والثورة التي لا تتريث للترتيب والإحكام.
13
وهذا مثال من الديوان يبين ما يكثر فيه من الرموز والإشارات من القصيدة التي مطلعها:
إين خانه كه بيوسته درو بانك جغانست
أز خواجه بپرسيد كه اين خانه چه خانست؟ ... إلخ.
هذه الدار التي لا تفتر فيها الألحان سل ربها أي دار هذه! إن كانت الكعبة فما صورة الصنم هذه؟ وإن كانت دير المجوس فما هذا النور الإلهي؟ في هذه الدار كنز يضيق به العالم، وإنما هذه الدار وهذا السيد (رب الدار) فعل وذريعة. لا تضع على الدار يدا فما هي إلا طلسم، ولا تكلم السيد فقد أفنى الليل سكرا. تراب هذه الدار وقمامتها مسك وعنبر وعطر. كل سطحها وبابها شعر وألحان. فمن وجد سبيلا فيها فهو سلطان الأرض وسليمان الزمان.
أيها السيد أطل علينا من الشرفة مرة فان في خدك الجميل أمارة من الإقبال.
أقسم بروحك أن ما عدا رؤية وجهك - ولو كان ملك العالم - خيال وخرافة. تحير البستان أي ورق وأي زهر! وولهت الطير أي شبك وأي حب!
هذا سيد الفلك كالزهرة والقمر، وهذي دار العشق لا حد لها ولا نهاية.
حينما أخذت مرآة الروح صورتك في القلب تدلت في القلب طرتك كالمشط.
إن سكارى الله واحد وإن كانوا ألوفا، وإن يكن من سكارى الهوى واحد فهو اثنان. اقتحم غاب الأسد ولا تخش الجراح؛ فإن الخشية والخوف ليسا من الرجولة.