وقلبه مفعم بالعشق الإلهي، ومستغرق فيه، فكل شيء يذكر به وكل فكر يؤدي إليه؛ فتراه يبتدئ القصة التي تحسبها بعيدة كل البعد عن العشق والاستغراق والفناء، فإذا هو ينتهي إلى هذه المعاني ويغوص فيها، ذلكم مراده مهما يقل، وتلكم قبلته أنى توجه، وغاية تصريحه وكنايته، وهو في عبوسه يكن السرور به، وفي صمته يكثر القول فيه، وإذا نفى فإنها يثبته. يقول:
أنا غريق العشق الذي غرق فيه عشق الأولين والآخرين. إذا ذكرت الشفة فهي شفة البحر (حافة البحر)،
3
وإذا قلت لا فإنما مرادي إلا.
من السرور جلست عبوسا، ومن كثرة المقال قعدت صموتا.
بل إذا فكر في القافية وهو مستغرق في النظم نقله هذا الشاغل اللفظي إلى الحبيب المقصود، فبينا نراه في قصة التاجر والببغاء ماضيا في بيانه إذا هو يقول:
أفكر في القافية وحبيبي يقول: لا تفكر إلا في رؤيتي. اطمئن أيها المفكر في القافية فأنت قافية السعادة أمامي. ما الحرف فتفكر فيه؟ إنه الشوق في جدار البستان! إني أمحق القول والحرف والصوت لأناجيك بغير هذه الثلاث، أفشي إليك السر الذي أخفيته عن آدم يا سر العالم ... إلخ.
وكل هذا البيان، وكل هذا الفيض، وهذه الحرقة، وهذا الوجد، يقصر عن تبيين ما في نفسه، فيشكو هذا القصور بين الحين والحين، ويقف حائرا صائحا: إن الذي أحسه وراء الصوت والحرف بل وراء الأسماع والأفهام.
مجملش كفتم نه كردم من بيان
ورنه هم أفهام سوزد هم بهان
قد أجملت وإلا احترقت الأفهام واحترق البيان.
9
ولصاحب المثنوي مهارة وبراعة في تضمين الآيات والأحاديث والملاءمة بينها وبين الوزن بتغيير يسير، مثل قوله:
وز ملك هم بايدم جستن زجو «كل شيء هالك إلا وجهه»
بس عدم كردم عدم چون ارغنون
گويدم: «إنا إليه راجعون»
وقوله في حديث الشيطان في غزوة بدر:
كه أخاف الله ما لي منه عون
اذهبوا إني أرى ما لا ترون
وقوله في فاتحة المثنوي:
عشق جان طور آمد عاشقا
طورمست «وخر موسى صعقا»
ومن تضمين الأحاديث:
كوش من «لا يلدغ المؤمن» شنيد
قول بيغمبر بجان ودل كزيد
رمز «الكاسب حبيب الله» شنو
أز توكل در سبب كاهل مشو
10
ويتخلل بعض فصول المثنوي أحيانا أشطار وأبيات عربية خالصة، ولا يخلو فصل من هذا الضرب، ويندر أن يتوالى بيتان أو ثلاثة.
ومن أمثلة الأبيات المفردة والشطور:
جملة كفتند أي حكيم باخبر
الحذر دع؛ ليس يغني من قدر
تاتواني دم مزن اندر فراق
أبغض الأشياء عندي الطلاق
وادخلوا الأبيات من أبوابها
واطلبوا الأغراض في أسبابها
ومن الأمثلة القليلة ما جاء في الجزء الثالث أثناء قصة وكيل صدر بخارى:
غن لي يا منيتي لحن النشور
ابركي يا ناقتي تم السرور
ابلعي يا أرض دمعي قد كفى
اشربي يا نفس وردا قد صفا
عدت يا عيدي إلينا مرحبا
نعم ما روحت يا ريح الصبا
11
وقد افتتح الكتاب بحديث الناي ووصفه مبينا عن أثره في نفسه، فجعل للناي بين المولوية مكانة وحرمة، وقد ترجمت هذه الفاتحة إلى الإنكليزية باسم «أغنية الناي».
وترجمتها إلى العربية منذ سنين، وهي خمسة وثلاثون بيتا وهي:
استمع للناي غنى وحكى
شفه البين طويلا فشكا
مذ نأى الغلب وكان الوطنا
ملأ الناس أنيني شجنا
أين صدر من فراق مزقا
كي أبث الوجد فيه حرقا
من تشرده النوى عن أصله
يبتغي الرجعى لمغنى وصله
كل ناد قد رآني نادبا
كل قوم تخذوني صاحبا
ظن كل أنني نعم السمير
ليس يدرى أي سر في الضمير
إن سري في أنيني قد ظهر
غير أن الأذن كلت والبصر
ليس بين الروح والجسم حجب
غير أن الروح عنا تحتجب
إن صوت الناي نار لا هواء
كل من لم يصلها فهو هباء
هي نار العشق في الناي تثور
وهي نار العشق في الخمر تفور
آنست هجراتنا أصواته
مزقت أستارنا نغماته
من رأى كالناي سما ودواء؟
من رأى كالناي غما وعزاء
حدث الناي بأهوال الطريق
وعن المجنون صبا لا يفيق
أهل هذا الحس من لا حس له
أرهف السمع لهذي المعضلة