تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولبث في بغداد حينا يعظ ويعلم، ثم سار إلى الحجاز للحج ثم دمشق وحلب.

وكانت له بعد رحلات في بلاد الروم (الأناضول) وأرمينية، فأقام في أرزنجان بأرمينية وفي ملطية مددا مختلفة، ثم انتقل إلى لارندة (قرمان)، فأقام سبع سنوات يدرس في المدرسة التي بناها الأمير موسى.

ثم دعاه السلطان علاء الدين السلجوقي (616-634) إلى مدينة قونية حاضرة ملكه، فرحل إليها سنة 623، واستقر بها بعد رحلات استمرت زهاء ستة عشر عاما، وأقام في مدرسة ألتونيا وعلم بها حتى توفي ضحى يوم الجمعة لثماني عشرة خلون من ربيع الثاني سنة 628.

3

جلال الدين

ولد جلال الدين في بلخ سادس ربيع الأول سنة 604ه، ورحل به أبوه وهو طفل في سن الرابعة، وصحبه في حله وترحاله، وتزوج في مدينة لارندة، وسنه إحدى وعشرون، تزوج جوهر خاتون بنت لالا شرف الدين السمرقندي، ومن هذه الزيجة ولد له ابناه علاء الدين وسلطان ولد، ويظهر أن جوهر خاتون لم تعش معه طويلا، فتزوج بعد وفاتها أخرى عاشت بعده.

توفي سلطان العلماء بهاء الدين وعمر جلال أربع وعشرون سنة، فخلف أباه على درسه، فكيف درس جلال حتى تأهل لأن يخلف سلطان العلماء في هذه السن؟

لا ريب أن جلال الدين كان ذا مواهب نادرة، وأن مخايل الذكاء وأمارات التصوف بدت عليه في صباه، ويروى أنه كان مجدا في تحصيل العلم لا يفتر في السفر والإقامة.

وأما شيوخه فأولهم أبوه، فلا ريب أن جلال الدين حضر درسه منذ أعدته السن للتلقي عنه، ويروى كذلك أنه تلقى العلم عن شيوخ في دمشق وحلب، وأنه أخذ التصوف عن برهان الدين الترمذي أحد أصحاب أبيه، وعن صلاح الدين زركوب وحسام الدين چلبي، ولا أعرف عن درسه وشيوخه أكثر من هذا.

تولى جلال الدرس في أربع مدارس في قونية وكثر طلابه، واستمر على نهج أبيه في درس العلوم الدينية بضع عشرة سنة، ثم كان حدث غير وجهة جلال وأثر في نفسه أثرا بليغا، ولست أستطيع تأريخ هذا الحدث، ولكني أرجح أنه وقع وجلال الدين بين الخامسة والثلاثين والأربعين من عمره، وإن أرخه بعض الرواة تأريخا دقيقا: 26 جمادى الثانية سنة 642.

ذلكم الحادث العجيب هو لقاء هذا الدرويش العجيب شمس الدين التبريزي، فلا بد من وقفة في هذه المرحلة من تاريخ مولانا، فعندها كان منعرج الطريق.

4

شمس الدين التبريزي

هو محمد بن علي بن ملك التبريزي، قيل: إن نسبه ينتهي إلى كيابزرك أميد خليفة حسن الصباح شيخ الإسماعيلية، وكان أبو شمس الدين من الإسماعيلية فخالفهم وأحرق كتبهم ودعا إلى الإسلام في قلاعهم، وأرسل ابنه شمس الدين إلى تبريز لتلقي العلم.

ويقال أيضا: إنه ولد في تبريز، وكان أبوه بزازا بها.

وأخذ التصوف عن شيوخ في تبريز، وله سند في الطريقة يذكره بعض المؤرخين: منهم دولتشاه السمرقندي صاحب تذكرة الشعراء.

يقول دولتشاه: إن شمس الدين كان في صباه جميلا رائعا حتى ربي بين النساء غيرة عليه، ثم كثرت سياحاته حتى لقب «پروانه» أي الفراشة.

وكان قوي النفس، جريئا مؤثرا في سامعيه شديدا عليهم، يلقب من يعظهم أحيانا بالثيران والحمير، وكان قليل الدرس فيما يظهر، ولكن ثورة نفسه واعتقاده أنه ملهم كانا يسحران من يلقاه.

وقد وصفه الأستاذ نكلسون المستشرق الإنكليزي في مقدمة كتابه الذي سماه «قصائد مختارة» من ديوان شمس تبريز، وبين مشابهته سقراط في ثورته وقوته، وأن كلا منهما وجد من يعبر عن آرائه الخشنة بكلام بليغ رقيق.

ذلكم إجمال ما يروى عن هذا الصوفي العجيب الذي نقل جلال الدين من مدرس يعلم العلوم الدينية إلى صوفي منقطع للرياضة الصوفية، ونظم الشعر وسماع الموسيقى.

جاء شمس الدين إلى قونية ونزل في خان شكرريز، ويقال: إن شيخه ركن الدين أرسله إلى جلال الدين ليدخله في الطريق الصوفي.

وتروى قصص عن اللقاء الأول بين جلال وشمس، يراد بها تمثيل ما بين علماء الظاهر والصوفية من خلاف، وتبيين سرعة تحول جلال الدين من هؤلاء إلى هؤلاء. وتأثير شمس في جلال ونفوذه إلى سرائره وتمكنه في قلبه لا يحتاج إلى بيان؛ فأشعار جلال الدين في المثنوي وفي ديوانه الذي سماه ديوان شمس تبريز، فياضة بالحب والإجلال والمبالغة في إعظام شمس والإعجاب به، ولكن لا أحسب جلالا تحول طفرة واحدة من العلماء إلى الصوفية؛ فقد نشأ في بيت تصوف، وأخذ عن شيوخ الصوفية، ودل شعره على استعداد لها وميل إليها؛ فلم يكن لقاء شمس إياه إلا إثارة للشوق الذي في نفسه، وتأجيجا للنار التي في فؤاده.

فصول من المثنوي · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فصول من المثنويص ٣