تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخذ جلال الدين يهجر درسه ويأنس إلى التبريزي، ويخلو به ويسايره في المتنزهات، ورأى تلاميذ جلال الدين أن هذا الضيف العجيب أخذ يستبد بأستاذهم، ويصرفه عن سبيله، ويحيد به عن سنن العلماء؛ فثاروا بهذا الدرويش، واضطروه إلى أن يهرب من قونية إلى تبريز، ولكن جلال الدين لم يصبر عنه، فذهب إليه وأرجعه إلى قونية، ويقال: إنه خرج إلى دمشق أيضا، فأرسل جلال الدين ولده فرجع به إلى قونية.

ثم تقع ثورة يختفي بعدها التبريزي وتنقطع أخباره، وتختلف الأحاديث في أمره، فيقال: إن شرطة السلطان قتلته، ويقال: قتله بعض تلاميذ جلال الدين، وشارك في قتله علاء الدين بن جلال الدين. ويقال: إن سلطان ولد الابن الثاني لجلال تقصى أخباره حتى أخرج جثته من بئر ودفنها.

وفي قونية اليوم مزار لشمس الدين مشيد عليه قبة عالية، وكانت وفاة التبريزي فيما يظهر سنة 645.

5

شغل جلال بالرياضة وشغف باستماع الموسيقى والغناء ونظم الأشعار وإنشادها، وردد اسم شمس الدين في كثير منها، ونظم الكتاب المثنوي، واجتمع إليه المريدون فراضهم على طريقته التي عرفت من بعد باسم المولوية.

واستمر على هذا إلى أن توفي مغرب يوم الأحد خامس جمادى الثانية سنة 672، ودفن بجانب أبيه في القبة التي شادها له علاء الدين السلجوقي، ولا تزال قائمة في قونية، وقد زاد عليها سلاطين العثمانيين أبنية اتخذت تكية للمولوية على الشكل الذي يرى اليوم في قونية.

وكان جلال الدين رحمه الله معتدل القامة، ليس بالبادن ولا النحيف، وجهه مشرب بحمرة، ثم نحف ومال لونه إلى الصفرة بطول المجاهدة.

وترك ابنه سلطان ولد صاحب الأثر المحمود في الأدب التركي العثماني.

وخلف مولانا في مشيخة الطريقة إنفاذا لوصيته خدينه ونجيه حسام الدين چلبي، حتى توفي سنة 683، فخلفه سلطان ولد إلى أن توفي سنة 712، وتداول حفدة الشيخ المشيخة، وكل منهم يسمى چلبي قونية، إلى أن فعل الكماليون ما فعلوا بالطرق والتكايا، وتكية قونية اليوم متحف فيه بعض مخلفات جلال الدين وحفدته وبعض الكتب، وقد زرتها سنة 1355ه ووصفتها في كتاب الرحلات.

6

المثنوي والديوان

ترك جلال الدين أثريه الخالدين على الدهر: المثنوي والديوان، وتنسب إليه رسالة منثورة اسمها «فيه ما فيه»، ومنها نسخ في مكتبات استانبول.

فأما المثنوي فمنظومة صوفية فلسفية عظيمة، تحوي خمسة وعشرين ألفا وسبعمائة بيت، في ستة أجزاء، والجزء السابع الذي تشتمل عليه بعض نسخ الكتاب منحول لا يشبه كلام جلال الدين، والمؤلف نفسه يقول في مقدمة الجزء السادس مخاطبا حسام الدين چلبي:

بيشكش مي آرمت اي معنوي

قسم سادس در تمام مثنوي

شش جهت رانورده زين شش صحف

كي يطوف حوله من لم يطف

1

وقد خلت من الجزء السابع النسخ القديمة. وكتب سلطان ولد ابن جلال الدين خاتمة الكتاب عقب الجزء السادس.

وقد سمى الرومي كتابه «المثنوي»، وهو اسم هذا الضرب من القافية التي تسمى في العربية المزدوج، سماه هذه التسمية اللفظية كما سمى أبو العلاء كتابه اللزوميات باسم لفظي محض.

وأما تاريخ نظم المثنوي، فيحدثنا الناظم في مقدمة الجزء الثاني أن نظم المثنوي تأخر مدة لغياب حسام الدين، وأنه يستأنف النظم سنة 662، وقد استمر ينظم الأجزاء الخمسة حتى توفي سنة 672؛ فيكون لكل جزء سنتان، فإذا قدرنا أن الفترة بين الجزأين الأول والثاني كانت سنتين كما يروى، وأن الجزء الأول نظم في سنتين، فقد بدأ الشاعر الصوفي ينظم منظومته الخالدة سنة 658 من الهجرة وسنه 54 سنة.

7

حسام الدين والمثنوي

يقول جلال الدين في المقدمة العربية التي صدر بها الجزء الأول: إنه نظم الكتاب بدعوة من صديقه حسام الدين چلبي، ويكرر هذا في أول كل جزء، معلنا أن حسام الدين يوحي إليه نظم الكتاب، وأنه يسير فيه ببركة هذا الرجل وهمته وتشويقه، ويكفي أن نعرف أنه ترك النظم حين غاب حسام الدين في الفترة بين الجزأين الأول والثاني، وأنه سمى الكتاب في فاتحة الجزء السادس «حسامي نامه».

فصول من المثنوي · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فصول من المثنويص ٤