2
موضوع بحثي التعريف بجلال الدين الرومي، والتعريف بأثريه الخالدين: المثنوي والديوان. وتبيين مكانته في التصوف والشعر والآداب الإسلامية كلها.
والكلام قسمان: الأول: تاريخ جلال الدين وأسرته. والثاني: كتبه وآراؤه.
ذكر جلال الدين نفسه في المقدمة العربية التي صدر بها المثنوي فقال: «يقول العبد الضعيف المحتاج إلى رحمة الله تعالى محمد بن محمد بن الحسين البلخي» لم يزد على هذا في تسمية نفسه وتسمية أبيه وجده، ويكاد الذين ترجموا لجلال الدين يجمعون على أنه بكري من ولد أبي بكر الصديق، ومنهم من يذكر سلسلة نسبه إلى أبي بكر، فيجعله محمد بن محمد بن الحسين بن أحمد بن محمود بن مودود بن ثابت بن المسيب بن المطهر بن حماد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ويروى عن شمس الأئمة الحلواني نسبة أخرى تصل جلال الدين بإبراهيم بن أدهم.
ولا أود أن أطيل الوقوف على هذا النسب، فليس يتسع المقام له، ولا أريد أن أشارك المتنازعين في نسبه من الفرس والترك كما تنازعوا في ابن سينا وغيره؛ فإن هذه العصبيات أبغض شيء إلى هؤلاء الكبراء الذين نؤرخ لهم، وخير ما يقال في جلال الدين وأمثاله ممن نشأتهم الحضارة الإسلامية وغذتهم بمعارفها أن ينشد قول الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم
وبعض المؤلفين يذكر جد جلال الدين باسم الحسين الخطيبي بن أحمد الخطيبي.
والذي لا يرتاب فيه الباحث أن مولانا من أسرة بلخية نابهة، وليس لدينا ما يدعو إلى الارتياب في اتصالها بالمصاهرة بملوك خوارزم، تزوج حسين جد جلال الدين ملكه جهان بنت علاء الدين تكش خوارزمشاه (568-596ه)، ويقول المغالون في تعظيم هذا البيت: إن هذا الزواج كان بأمر الرسول
صلى الله عليه وسلم ، ولد من هذه الزيجة محمد بهاء الدين ولد، وهو والد جلال الدين، ويروى أن الحسين أبا بهاء الدين توفي وابنه في الثانية من عمره، فلما كبر بهاء الدين وتصدى للتعليم والوعظ ذاع صيته وأقبل عليه الطلاب من كل صوب، حتى لقب سلطان العلماء، ويروى أن رسول الله لقبه بهذا اللقب.
يتفق الرواة على أنه وقع نفور بين بهاء الدين وبين خاله ملك خوارزم محمد قطب الدين (596-617)، وهو الملك الذي أثار التتار على البلاد الإسلامية من بعد، فذهبوا بملكه وترك لابنه جلال الدين منكبرتي ملكا في أيدي التتار جالدهم عليه اثنتي عشرة سنة في المشرق والمغرب إلى أن قتل تاركا على الخطوب سيرة لا تمحى.
ويعزى النفور الذي وقع بين سلطان العلماء وملك خوارزم إلى غيرة الملك من مكانة الشيخ، ويقال: إن فخر الدين الرازي نفر السلطان منه، وكان فخر الدين يكره الصوفية، ويروى أن خوارزمشاه أرسل إلى بهاء الدين يقول: «يرى السلطان أن يترك ملكه لك ويذهب إلى بلاد أخرى.» فأجاب بهاء الدين: «إن الملك يستهزئ بنا ويأخذنا بكلام الحاسدين، ولسنا في حاجة إلى ملكه الذي يعرضه علينا، فليطمئن الملك، فسنذهب نحن.» ثم أمر بالإعداد للسفر، ولم يثنه عن السفر ندم السلطان ولا حزن العامة والمريدين، ثم رحل ومعه ثلاثمائة من تلاميذه، وحمل معه أحمالا كثيرة من الكتب، وتوجه تلقاء بغداد سنة 607، وابنه محمد جلال الدين في الرابعة من عمره، فلما مر بنيسابور لقيه جماعة من العلماء منهم الصوفي الشاعر الكبير فريد الدين العطار، ويقال: إن العطار بشر بهاء الدين بمستقبل عظيم لابنه، وبارك على الطفل وأعطاه كتابه «إلاهي نامه» (وهي منظومة صوفية طويلة فيها زهاء ستة آلاف وخمسمائة بيت، وقد طبعت في استانبول منذ سنتين، نشرها الأستاذ ريتر).
واصل بهاء الدين ورفاقه السفر حتى بلغوا بغداد، فاستقبله جماعة من كبرائها وعلمائها فيهم الشيخ شهاب الدين السهروردي، وأنزلوه في المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة المستنصر بالله العباسي، ولا يزال كثير من أبنيتها قائما مشرفا على دجلة، (والسهروردي الذي استقبل بهاء الدين ينبغي أن يكون أبا حفص عمر المتوفى سنة 632، وأما السهروردي الكبير أبو النجيب فقد توفي سنة 563).