تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الروح من الظهور والقرب في خفاء، كالحب حافته يابسة وباطنه ماء.

37

إنك لا ترى الأحمر والأخضر، قبل أن ترى النور الأظهر.

ولكن ضل في الألوان العيان، فحالت بينك وبين النور الألوان.

فإذا حجب الليل الألوان عن الظهور، علمت أن رؤية الألوان بالنور.

لا يرى اللون بغير النور الخارجي، فكذلك لون الخيال الباطني.

هذا الظاهر من الشمس والسها، وهذا الباطن عكس أنوار العلى.

38

نور العين من نور القلوب يبين، فنور القلب نور نور العيون.

ثم نور نور القلب نور الله، منزها عن نور الحس والعقل تراه.

إن ذهب النور لم تر اللون في الحلك، فالنور بالضد يظهر لك.

رؤية الألوان إذا من رؤية النور، بضد النور تعرفه دون تأخير.

وقد خلق الله الغم والألم، ليتبين السرور في الأمم.

فالخفايا بأضدادها تظهر، والحق لا ضد له فهو مضمر.

يقع النظر على النور ثم الألوان، فيظهر الضد بالضد كالبيض والسودان.

39

فقد عرفت أنت النور بضد النور، فالضد من ضده في ظهور.

ولا ضد في الوجود لنور الحق، ليمكن بالضد إظهاره في الخلق (لا جرم أبصارنا لا تدركه. وهو يدرك) فات موسى دركه.

40

الصورة من المعنى كالأسد من الغابة، وكأصوات الكلام من الفكر وثابة.

هذا الصوت والكلم من الفكر صدر، وأنت لا تعلم بحر الفكر أين زخر.

ولكنك حين ترى موج الكلام لطيفا، تعرف بحره كذلك شريفا.

فلما اضطرب عن العلم موج الفكر، فاتخذ من الصوت والكلام الصور.

ولدت من الكلام الصورة ثم فنيت، وذهبت الأمواج إلى البحر فارتمت.

فالصورة ظهرت من غير الصورة للعيون، ثم رجعت «إنا إليه راجعون».

لك كل لحظة موت ورجعة، قال المصطفى: الدنيا ساعة ...

فكرنا سهم من «هو» في الهواء، يرجع إلى الله ما له في الهواء بقاء.

فالدنيا كل نفس تتجدد، ونحن في غفلة بالبقاء عن التجدد.

والعمر كالنهر كل حين يجد، ويبدو استمراره في الجسد.

تتوهم من السرعة أنه استمر، كما تحرك يدك سريعا بالشرر.

41

تحرك يدك القصبة المشتعلة، فتبدو للنظر نارا متصلة.

هذا الاتصال والمدة من السرعة، فهما يمثلان السرعة في الصنعة.

طالب هذا السر إن تكن علامة فعليك، بحسام الدين فهو كتاب رفيع لديك.

42

وصول الأرنب إلى الأسد

بينما الأسد في نار وغضب شديد، رأى الأرنب مقبلة من بعيد.

تجرى جريئة مقدمة، مسرعة غاضبة متجهمة.

إن في الانكسار تهمة مريبة، وفي الجرأة دفع كل ريبة. فلما قاربت الصف، صاح الأسد: أيها المخلف!

أنا الذي مزقت الفيلة وتركت الأسود أذلة. فما نصف أرنب عندنا، لتضرب بالأرض أمرنا.

دعي نوم الأرنب وغفلتها، واسمعي من الأسد زأرتها.

الأرنب :

عفوا عفوا فلي العذر، إذا عفوت يا رب الأمر.

الأسد :

أي عذر لتقصير البلهاء، حين يمثلون أمام الأمراء.

أنت طائر مخلف فليقطع رأسك بالحق، يجب ألا يسمع عذر الأحمق.

43

عذر الأحمق أقبح من الجرم، وعذر الجاهل لكل معرفة سم.

عذرك أيتها الأرنب من المعرفة خلي، لست أرنبا فتسيغيه في أذني.

44

الأرنب :

أيها الملك عد لا شيئا شيا، واستمع لعذر المظلوم جليا.

45

أد زكاة جاهك وصولتك، ولا تطرد الضال من حضرتك.

إن البحر الذي يمد الأنهار بالماء، يحمل على رأسه ووجهه كل غثاء.

ولن ينقص البحر هذا الجود، لا ينقص البحر بالكرم ولا يزيد.

الأسد :

إني آتي الكرم مع أهله، وأفصل ثوب كل واحد على قده.

الأرنب :

استمع، فإن لم أجد عندك اللطف، تحديت برأسي تنين العنف: سرت وقت الغداء في طريقي، مقبلة إلى الملك مع رفيقي.

كان معي أرنب للملك الجليل، قرينين كنا ورفيقي سبيل.

فقصد أسد إلي على الطريق، وكذلك قصد إلى ذاك الرفيق.

قلت: نحن عبيد ملك الملوك، وكل في هذه السدة مملوك.

قال: من ملك الملوك، ألا تخجلين؟ أعندي اسم الأوباش تذكرين؟

أمزقك وأمزق مالكك، إن صدفت عن بابي أنت وصاحبك.

قلت: فدعني إلى مرة أخرى، لأرى الملك فأحدث عنك ذكرا.

فصول من المثنوي · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فصول من المثنويص ٢٧