قال النبي: إن التمارض، يمرض حتى يهلك المتمارض.
25
ما الجبر؟ ربط على المكسور، ووصل العرق المبتور.
26
ما رجلك في هذا الطريق كسيرة، فعلى من تضحك بهذه الجبيرة؟
إن الذي انكسرت رجله في النصب، جاء إليه البراق فركب
كان حامل الدين فصار محمولا، وكان قابل الأمر فصار مقبولا.
كان يتلقى الأمر من الملك، وهو بعد على الجنود يملك.
كان للكوكب فيه تأثير، وهو بعد على الكوكب أمير.
إن يشكل عليك في هذا النظر، فقد شككت إذا في «انشق القمر».
27
فجدد إيمانك باللسان، يا من جدد هواه في الكتمان.
لا ينضر الإيمان والهوى نضير، ما الهوى إلا قفل هذا الباب الكبير.
قد أولت بنفسك الحرف البكر، أول نفسك لا تؤول الذكر.
28
إنك تؤول القرآن بالهوى، فقد عوجت وحقرت سني المعنى.
مثلك مثل هذا الذباب، الذي ملكه بنفسه الإعجاب.
29
سكران مهتاج بغير الصهباء، يخال ذرة ذاته شمس السماء.
وقد سمع وصف الصقور والبيزان، فقال: أنا لا ريب عنقاء الزمان.
ركب هذا الذباب تبنة في بول حمار، ورفع رأسه كربان البحار.
قال: قرأت عن السفينة والبحر، وقد لبثت دهرا في هذا الفكر.
فهأنذا والبحر وإحدى السفن، وأنا الربان البصير الفطن.
وساق في البحر هذا العمد، ورأى في هذا مجالا لا يحد.
30
غير محدود عنده هذا القذر، فصدق منه هذا النظر.
هذا عالمه وهذا بصره، وهذه عينه وذاك بحره.
كالذباب صاحب التأويل الواهم، وهمه بول الحمار والتبن العائم.
فلو ترك الذباب التأويل بالهوى، صيره الجد سعيدا كالهما.
31
ولم يكن صاحب هذه العبرة، ولم تبق روحه على قدر الصورة.
مثل هذه الأرنب التي غلبت الأسد، ولم تكن روحها بمقدار الجسد.
هياج الأسد من تأخر الأرنب
كان الأسد يقول من الحدة والغضب، حين تأخرت الأرنب: أغمض عيني هذا العدو، عن الجهاد المرجو. مكر هؤلاء الجبريين قيدني، وسيفهم الخشبي أوهى بدني.
لا أسمع من بعد لهذا البهتان، إنه صوت الشياطين والغيلان.
مزقهن أيها القلب وأقدم كالأسود، واسلخ جلودهن فما هن إلا جلود.
ما الجلد؟ الأقوال المزوقة الجوفاء، لا تلبث كنقش الدرع على الماء.
32
هذا الكلام كالقشر واللباب معناه، هذا الكلام كالصورة والروح مغزاه.
القشر يخفي من اللب الرديء العيب، وهو للب الحسن ستر من الغيب.
إن كان القلم من الهواء والورق من الماء، فكل ما تكتب سريع الفناء.
وإن طمعت أن يبقى نقش الماء لديك، رجعت عاضا على يديك.
والهواء في الإنسان طمعه وهواه، فإن تركت الهوى فرسالة الله.
33
ما أجمل رسالات الرحمن، التي تثبت كلها على الحدثان.
تزول خطب الملوك والعظماء، ولا تزول خطب الرسل والأنبياء.
34
بأن هيبة الملوك من الهواء، وعظمة الأنبياء من الكبرياء.
35
أسماء الملوك من الدراهم تمحى، ولكن اسم أحمد أبدا يبقى.
وأسماء الأنبياء جميعا في اسم أحمد، كما تتضمن المائة العقود في العدد.
هذا القول يا بني لا يحد، نعود إلى قصة الأرنب والأسد.
بيان مكر الأرنب وتأخرها في الذهاب
أخرت الأرنب سيرها، وأحكمت في نفسها مكرها. ثم سارت بعد تلبث طويل، لتسر إلى الأسد بعض القيل.
أي عوالم يتضمنها العقل الباهر، وأي سعة في بحر العقل الزاخر.
عقل البشر بحر لا يحد خضم، لا بد يا بني من غواص لهذا اليم.
وصورتنا في هذا البحر العذب، كالآنية على الماء تذهب.
هي ما لم تمتلئ كالطست على الماء يزجيه، فإن امتلأ الطست رسب فيه.
عالم ظاهر والعقل خفي، صورتنا موج أو قطرة من هذا اللجي.
كل ما اتخذته الصورة وسيلة، رماه البحر بعيدا بهذه الحيلة.
إذا لم ير القلب موحي الأسرار، ولم ير السهم الرامي المغوار.
فهو يحسب جواده مفقودا، وهو راكض جواده مجهودا.
36
يفتقد فرسه هذا الفارس ويصيح، وفرسه يجري به كالريح.
يعدو في صياح ونشدان، سائلا طالبا في كل مكان:
من سرق حصاني؟ وأين السارق؟ فما الذي تحتك أيها السيد الحاذق؟ أجل هذا حصان ولكن أين الحصان؟ ارجع إلى نفسك أيها الفارس الحيران.